حدائق الأنوار و مطالع الأسرار في سيرة النبي المختار - الحضرمي، محمد بن بحر - الصفحة ١٧٤ - تحقّق خديجة رضي اللّه عنها من الوحي
بقارئ، فأخذني و غطّني الثّانية حتّى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني»، فقال: اقرأ، فقلت: «ما أنا بقارئ، فأخذني فغطّني الثّالثة حتّى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني»، فقال:
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ [سورة العلق ٩٦/ ١- ٣]، فرجع بها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يرجف فؤاده [١]، فدخل على خديجة، فقال: «زمّلوني زمّلوني»- أي: غطّوني- فزمّلوه حتّى ذهب منه الرّوع- أي: الفزع- فقال لخديجة و أخبرها الخبر- أي: خديجة-: «لقد خشيت على نفسي» [٢]، فقالت خديجة: كلّا و اللّه ما يخزيك اللّه أبدا- أي: لا يهينك بل يكرمك-، إنّك لتصل الرّحم، و تحمل الكلّ- أي: المنقطع-، و تكسب المعدوم- أي: تعطي الشّيء مع قلّته و فقده-، و تقري الضّيف- أي: تطعمه الطّعام-، و تعين على نوائب الحقّ- أي:
الحوادث المحمودة- [٣].
[تحقّق خديجة رضي اللّه عنها من الوحي]
فانطلقت به خديجة حتّى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى، ابن عمّ خديجة، و كان امرأ- أي: رجلا- قد تنصّر في الجاهليّة، و كان يكتب الكتاب [العربي]، فيكتب من الإنجيل
[١] يرجف فؤاده: يضطرب من الخوف.
[٢] أي: المرض أو الموت من شدّة الضّغط و الضّم. و قد كان ذلك قبل أن يحصل له العلم الضّروريّ بأنّ الّذي جاءه ملك من اللّه. و لا يصحّ تفسير الخشية هنا بغير هذا. (انظر السّيرة النّبويّة، لأبي شهبة، ج ١/ ٢٦٢).
[٣] قلت: و في ذكر هذه الأوصاف ما يدلّ على كمال خلق النّبيّ في الجاهليّة، و أنّ صنائع المعروف تقي مصارع السّوء، كما يدلّ على كمال عقل السّيّدة خديجة، و وفور شفقتها، و محبّتها للنّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم). (انظر السّيرة النّبويّة، لأبي شهبة، ج ١/ ٢٦٣.