المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٨٧ - ٤٤١- قيس بن ذريح بن الحباب بن شبه بن حذافة
تمرّ الليالي و الشهور و لا أرى * * * ولوعي بها يزداد إلّا تماديا
و اشتهر أمر قيس بالمدينة، و غنى بشعره الغريض و مالك و معبد و غيرهم،/ و لم يبق شريف و لا وضيع إلا سمع بذلك و حزن له، و جاء زوج لبني فعاتبها فقال: فضحني بذكرك، فقالت: و اللَّه ما تزوجتك إلا بعد أن أهدر دمه، و لا حاجة لي فيك. و كان بالمدينة دار ضيافة لرجل من قريش و له زوجة يقال لها بريكة، فدخل الدار قيس في جنونه، فقال: أين بريكة؟ فلقيها، فقال لها: حاجتي نظرة إلى لبني، فقالت: لك ذلك، فنزل فأقام عندهم و أهدى لها هدايا كثيرة، و قال لاطفيهم حتى يأنسوا بك، ففعلت وزارتهم مرارا و قالت لزوج لبني: أخبرني أنت خير من زوجي، قال: لا، قالت: فلبني خير مني، قال: لا، قالت: فما لي أزورها و لا تزورني، قال: ذاك إليها، فأتتها و سألتها الزيارة، و أعلمتها أن قيسا عندها فأسرعت إليها فبكيا حتى كادا يتلفان، ثم قالت له:
أنشدني ما قلت في علتك، فقال:
أعالج من نفسي بقايا حشاشة * * * على ظمأ [١] و العائدات تعود
فإن ذكرت لبني هششت لذكرها * * * كما هشّ للثدي الدّرور وليد
و رحل قيس إلى معاوية، فدخل على ابنه يزيد فامتدحه و شكى ما به، فقال: إن شئت أن أحتم على زوجها أن يطلقها، قال: لا بل أحب أن أقيم حيث تقيم و أعرف أخبارها من غير أن يهدر دمي، فأجابه، و غير ما كان كتب في إهدار دمه.
و قد اختلفوا في آخر أمر قيس [٢]. فروى قوم أن لبني ماتت فخرج قيس في جماعة من قومه، فوقف على قبرها، فقال:
ماتت لبينى فموتها موتي * * * هل تنفعن حسرتي على الفوت
و سوف أبكي بكاء مكتئب * * * قضى حياة وجدا على ميت
ثم أكب على القبر يبكي حتى أغمي عليه، فرفعه أهله إلى منزله و هو لا يعقل، فلم يزل عليلا لا يفيق و لا يجيب مكلما ثلاثا، ثم مات فدفن إلى جنبها.
[١] في الأغاني: «على رمق».
[٢] الأغاني ٩/ ٢٥١.