المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٧٠ - باب ذكر خلافة الوليد بن عبد الملك بن مروان
كان عبد اللَّه بن معاوية بن عبد اللَّه بن جعفر بن أبي طالب صديقا للوليد يأتيه و يؤانسه، فجلسا يوما يلعبان بالشطرنج إذ أتاه الاذن، فقال: أصلح اللَّه الأمير/ رجل من أخوالك من أشراف ثقيف قدم غازيا و أحب السلام عليك، فقال: دعه، فقال عبد اللَّه:
و ما عليك ائذن له، فقال: نحن على لعبنا و قد انحجبت، قال: فادع بمنديل وضعه عليها و يسلم الرجل و نعود، ففعل ثم قال: ائذن له، فدخل و له هيئة، بين عينيه أثر السجود، و هو معتم قد رجّل لحيته، فسلم و قال: أصلح اللَّه الأمير، قدمت غازيا فكرهت أن أجوزك حتى أقضي حقك، قال: حياك اللَّه و بارك عليك. ثم سكت عنه، فلما أنس أقبل عليه الوليد فقال: يا خال هل جمعت القرآن؟ قال: لا كانت تشغلنا عنه شواغل، قال:
هل حفظت من سنة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم و مغازيه أو أحاديثه شيئا؟ قال: كانت تشغلنا عن ذلك أموالنا [١]، قال: فأحاديث العرب و أيامها و أشعارها؟ قال: لا، قال: فأحاديث أهل الحجاز و مضاحكها؟ قال: لا، قال: فأحاديث العجم و آدابها؟ قال: ذلك شيء ما كنت أطلبه. فرفع الوليد المنديل، و قال: شاهك، قال عبد اللَّه بن معاوية: سبحان اللَّه، قال: لا و اللَّه ما معنا في البيت أحد. فلما رأى ذلك الرجل منهما خرج و أقبلوا على لعبهم.
و لما دفن [٢] عبد الملك دخل الوليد المسجد فصعد المنبر، فخطب فقال: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، اللَّه المستعان على مصيبتنا بموت أمير المؤمنين، و الحمد للَّه على ما أنعم به علينا من الخلافة قوموا فبايعوا.
فكان أول من قام لبيعته عبد اللَّه بن همام السكونيّ و هو يقول:
اللَّه أعطاك التي لا فوقها * * * و قد أراد المشركون [٣] عوقها
عنك و يأبى اللَّه إلّا سوقها * * * إليك حتى قلّدوك طوقها
ثم تتابع الناس على البيعة.
[١] في ت: «عن ذلك شواغل».
[٢] تاريخ الطبري ٦/ ٤٢٣.
[٣] في الطبري: «الملحدون».