المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٣٧ - ٤٨٦- خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان
حج عبد الملك بن مروان و حج معه خالد بن يزيد بن معاوية، و كان من رجالات قريش المعدودين و علمائهم. و كان عظيم القدر عند عبد الملك. فبينا هو يطوف بالبيت إذ بصر برملة بنت الزبير بن العوام فعشقها عشقا شديدا، و وقعت بقلبه وقوعا متمكنا.
فلما أراد عبد الملك القفول هم خالد بالتخلف عنه، فوقع بقلب عبد الملك تهمه، فبعث إليه يسأله عن أمره، فقال: يا أمير المؤمنين، رملة بنت الزبير رأيتها تطوف بالبيت قد أذهبت عقلي، و اللَّه ما أبديت لك ما بي حتى عيل صبري، فلقد عرضت النوم على عيني فلم تقبله، و السلو على قلبي فامتنع منه، فأطال عبد الملك التعجب من ذلك و قال: ما كنت أقول إن الهوى يستأسر مثلك، فقال: و إني لأشد تعجبا من تعجبك مني، و لقد كنت أقول إن الهوى لا يتمكن إلا من صنفين من الناس: الشعراء، و الأعراب. فأما الشعراء فإنّهم ألزموا قلوبهم الفكر في النساء و الغزل، فمال طمعهم إلى النساء، فضعفت قلوبهم عن دفع الهوى فاستسلموا له منقادين [١]. و أما الأعراب، فإن أحدهم يخلو بامرأته فلا يكون الغالب عليه غير حبه لها، و لا يشغله شيء عنه، فضعفوا عن دفع الهوى، فتمكن منهم. و جملة أمري ما رأيت نظرة حالت بيني و بين الحرم، و حسنت عندي ركوب الإثم مثل نظرتي هذه. فتبسم عبد الملك و قال: أو كل هذا قد بلغ بك، فقال: و اللَّه ما عرفتني هذه البلية قبل وقتي هذا، فوجه عبد الملك إلى آل الزبير يخطب رملة على خالد، فذكروا لها ذلك فقالت: لا و اللَّه، أو يطلق نساءه، فطلق امرأتين كانتا عنده، إحداهما من قريش و الأخرى من الأزد [٢]، و ظعن بها إلى الشام. و فيها يقول:
/ أ ليس يزيد الشوق في كل ليلة * * * و في كل يوم من حبيبتنا قربا
خليلي ما من ساعة تذكر انها * * * من الدهر إلا فرجت عني الكربا
أحب بني العوام طرا لحبها * * * و من أجلها أحببت أخوالها كلبا
تجول خلاخيل النساء و لا أرى * * * لرملة خلخالا يجول و لا قلبا
قال مؤلف الكتاب رحمه اللَّه: و قد زاد بعض أعدائه في هذه الأبيات:
فإن تسلمي نسلم و إن تتنصري * * * يخط رجال بين أعينهم صلبا
[١] «فضعفت قلوبهم ... منقادين»: ساقطة من ت.
[٢] في الأصل: «أحدهما قريشية و الأخرى من الأزد»، و ما أوردناه من ت.