المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٩٤ - و في هذه السنة وقع الاختلاف بين الأزارقة
المارقة، و لكنك تحب طول بقائهم لتأكل الأرض حولك، و قد بعثت إليك البراء بن قبيصة لينهضك إليهم إذا قدم عليك بجميع المسلمين، ثم جاهدهم أشد الجهاد، و إياك و العلل.
فأخرج المهلب الكتائب، و أقام البراء على تل، و قاتل الخوارج من بكرة إلى نصف النهار، فقال له البراء: و اللَّه ما رأيت كتائب ككتائبك، و لا فرسانا كفرسانك، و لا رأيت مثل قوم يقاتلونك أصبر منهم، أنت و اللَّه المعذور. ثم عاد وقت العصر، فقاتل حتى حجز الليل بينهم.
و كتب المهلب إلى الحجاج: أتاني كتاب الأمير و اتهامه إياي في هذه المارقة، و قد رأى الرسول ما فعلت، فو اللَّه لو قدرت على استئصالهم ثم أمسكت عن ذلك لقد غششت المسلمين.
ثم قاتلهم المهلب ثمانية عشر شهرا، ثم ان رجلا منهم كان عاملا لقطري على ناحية من كرمان قتل رجلا كان ذا بأس من الخوارج، فوثب الخوارج إلى قطري و قالوا:
أمكنا منه لنقتله بصاحبنا، فقال: ما أرى أن أقتل رجلا تأول فأخطأ في التأويل، قالوا:
بلى، قال: لا، فوقع الاختلاف بينهم، فولوا عبد رب الكبير و خلعوا قطريا، فلم يبق معه إلا ربعهم أو خمسهم، فجعلوا يقتتلون فيما بينهم نحوا من شهر غدوة و عشية [فكتب بذلك المهلب إلى الحجاج و قال: إني أرجو أن يكون اختلافهم سببا لهلاكهم] [١].
فكتب إليه الحجاج: ناهضهم على اختلافهم قبل أن يجتمعوا. فكتب إليه المهلب.
لست أرى أن أقاتلهم ما دام يقتل بعضهم بعضا، فإن أتموا على ذلك فهو الّذي نريد، و إن اجتمعوا لم يجتمعوا إلا و قد رقّق بعضهم بعضا، فيكونون أهون شوكة.
فسكت عنه الحجاج- ثم إن قطريا خرج بمن اتبعه نحو طبرستان، و بايع عامتهم عبد رب الكبير، فنهض المهلب فقاتلوه قتالا شديدا، ثم إن اللَّه تعالى قتلهم فلم ينج منهم إلا القليل، و أخذ عسكرهم و ما فيه.
[١] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.