المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٠٧ - ٥٢٤- وضاح اليمن
يوما جارية صفراء، فما زال حتى أنس بها، فقال لها: هل تعرفين أم البنين؟ فقالت:
إنك تسأل عن مولاتي، فقال: إنها لابنة عمي، فإنّها تسر بمكاني و موضعي لو أخبرتها، قالت: إني أخبرها فمضت الجارية فأخبرت أم البنين، فقالت ويلك، أ حي هو؟ قالت: نعم، قالت: قولي له كن مكانك حتى يأتيك رسولي. فلن أدع الاحتيال لك، فاحتالت إلى أن أدخلته إليها في صندوق، فمكث عندها حينا فإذا أنت أخرجته، فقعد معها و إذا خافت عين رقيب أدخلته الصندوق.
فأهدي يوما للوليد بن عبد الملك جوهر، فقال لبعض خدمه: خذ هذا الجوهر فامض به إلى أم البنين و قل لها: أهدي هذا إلى أمير المؤمنين، فوجه به إليك.
فدخل/ الخادم من غير استئذان و وضاح معها، فلمحه و لم تشعر أم البنين، فبادر إلى الصندوق فدخله، فأدى الرسالة، إليها، و قال لها: هبي لي من هذا الجوهر حجرا، فقالت: لا أم لك، و ما تصنع أنت بهذا؟ فخرج و هو عليها حنق فجاء الوليد فخبره الخبر و وصف له الصندوق الّذي رآه دخله، فقال: كذبت، لا أم لك. ثم نهض الوليد مسرعا فدخل إليها و هي في ذلك البيت و فيه صناديق، فجاء حتى جلس على ذلك الصندوق الّذي وصف له الخادم، فقال لها: يا أم البنين، هبي لي صندوقا من صناديقك هذه، فقالت:
يا أمير المؤمنين، هي لك و أنا لك فقال لها: ما أريد غير هذا الّذي تحتي، فقالت: يا أمير المؤمنين، إن فيه شيئا من أمور النساء، قال: ما أريد غيره، قالت: هو لك. فأمر به فحمل و دعا بغلامين و أمرهما بحفر بئر، فحفرا حتى إذا بلغا الماء وضع فمه على الصندوق و قال: أيها الصندوق، قد بلغنا عنك شيء فإن كان حقا فقد دفنا خبرك و درسنا أثرك، و إن كان كذبا فما علينا من دفن صندوق من حرج، ثم أمر به فألقي في الحفرة، و أمر بالخادم [١] فقذف في ذلك المكان فوقه، و طم عليهما المكان. فكانت أم البنين توجد في ذلك المكان تبكي إلى أن وجدت فيه يوما مكبوبة على وجهها ميتة.
و قد روى نحو هذه الحكاية هشام بن محمد بن السائب: أن أم البنين كانت عند يزيد بن عبد الملك، و إن قصة وضاح اليمن جرت له و هي عند يزيد.
[١] في ت: «و أمر بالغلام».