المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٧٥ - ٥٠٤- عبد/ الملك بن مروان
الكبير. و إياكم و الفرقة و الاختلاف، فإن بها هلك الأولون، و ذل به ذو العز، انظروا مسلمة و أصدروا عن رأيه، فإنه مجنّكم الّذي به تستجنون، و نابكم الّذي عنه تفترون، و كونوا بني آدم بررة، و لا تدنوا العقارب منكم، و كونوا في الحرب أحرارا، و للمعروف منارا، فإن الحرب لن تدني منية قبل وقتها، و إن المعروف يبقى آخره و ذكره، و احلولوا/ في مرارة و لينوا في شدة، وضعوا الصنائع عند ذوي الأحساب و الأخطار فإنّهم أصون لأحسابهم، و أشكر لما يؤتى إليهم، و إياكم أن تخالفوا وصيتي، و كونوا كما قال ابن عبد الأعلى الشيبانيّ:
إني أؤمل يا بني حرب الذرى * * * أن تخلدوا و جدودكم لم تخلد
فاتقوا الضغائن و التخاذل عنكم * * * عند المغيب و في الحضور الشهد
بصلاح ذات البين طول بقائكم * * * إن مد في عمري، و إن لم يمدد
و تكون أيديكم معا في عونكم * * * ليس اليدان لذي التعاون كاليد
إن القداح إذا اجتمعن فرامها * * * بالكسر ذو حنق و بطش أيد
عزت فلم تكسر إن هي بددت * * * فالكسر و التوهين للمتبدد
ثم أقبل على الوليد فقال: يا وليد، اتّق اللَّه فيما أخلفك فيه، و احفظ وصيتي، و خذ بأمري، و انظر أخي معاوية، فإنه ابن أمي، و قد ابتلي في عقله بما قد علمت، و لو لا ذلك لآثرته بالخلافة عليك، فصل رحمه و اعرف حقه، و احفظني فيه. و انظر أخي محمد بن مروان فأقرره على عمله بالجزيرة و لا تعزله عنه، و انظر أخاك عبد اللَّه بن عبد الملك، و لا تؤاخذه بشيء كان في نفسك عليه، و اقرره على عمله بمصر. و انظر ابن عمنا هذا علي بن عبد اللَّه بن عباس فإنه قد انقطع إلينا بمودته و هواه و نصيحته، و له نسب و حق، فصل رحمه، و اعرف حقه، و أحسن صحبته و جواره. و انظر الحجاج بن يوسف فأكرمه فإنه هو الّذي وطئ لكم المنابر، و هو سيفك يا وليد، و يدك على من ناوأك، فلا تسمعن فيه قول أحد، و اجعله الشعار دون الدثار، و إن كان في نفسك عليه إحنة [١] فلا تؤاخذه بها، فإن الإحنة ليست من الخلافة في شيء، و أنت إليه أحوج منه إليك، و إلا ألفينك إذا أنا مت تعصر عينيك، و تحن/ كما تحن الأمة، شمر و ائتزر
[١] الإحنة: الحقد في الصدر.