الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٤٣ - نظرة أبي طالب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله
و الضجر، و الأريحية و الانشراح، و الحزن، و السرور.
و يراه في حالات الغضب و الرضا، و التبذل و الترسل، و الانقباض، و الانبساط، و الجدية، و الترسم، و اللعب، و اللهو، و العمل، و المثابرة، و النشاط، و الكسل، و الفراغ، و الشغل، و ما إلى ذلك، فإن كل من يرى هذه الحالات في إنسان ما، سوف تتضاءل و تنكمش، و قد تتلاشى و تندثر الهالة التي ربما تبهر الناس في ذلك الإنسان، حتى إنه قد لا يبقى لديه سوى بعض الإعجاب بلفتة جمال هنا، أو بلمحة ذكاء هناك! !
و لكن الأمر بالنسبة لأبي طالب مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان مختلفا تماما، فقد كان اطلاع أبي طالب على جميع أحوال النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أدق خصوصياته يزيد من درجات تقديسه له، و يضاعف مراتب إعجابه به، و انبهاره بأنوار حقيقته، و تجليات فضائله، و ميزاته، إلى الحد الذي يجعل ذلك الشيخ الكبير يرى هذا الفتى اليافع وسيلته إلى اللّه و شفيعه، الذي يبلغه حاجاته، و رائده و قائده، و مثله الأعلى، حتى إنه ليستسقي به مرة بعد أخرى، و ينشئ به قصيدته اللامية التي بهرت بأنوارها الساطعة، و بلألائها اللامع كل من سمعها، أو قرأها. بل هي قد أخذت بمجامع القلوب، و هيمنت على المشاعر، و أنست بباهر أنوارها حتى القلوب التي غرقت في ظلمات النصب و الانحراف عن بني هاشم، و كل من له بهم أدنى صلة أو رابطة، حتى إن ابن كثير يصف هذه القصيدة العصماء، بقوله:
«قلت: هذه قصيدة عظيمة، بليغة جدا، لا يستطيع يقولها إلا من نسبت إليه. و هي أفحل من المعلقات السبع، و أبلغ في تأدية المعنى فيها