نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٤ - الشرح والتفسير أساس الاختلاف
وَعَذْبِهَا [١]، وَحَزْنِ [٢] تُرْبَةٍ وَسَهْلِهَا [٣]، فَهُمْ عَلَى حَسَبِ قُرْبِ أَرْضِهِمْ يَتَقَارَبُونَ، وَعَلَى قَدْرِ اخْتِلَافِهَا يَتَفَاوَتُونَ».
وعلى ضوء هذا الكلام فإنّ هذه الاختلافات ناشئة من تباين مواد الأرض المختلفة، وبالنظر إلى اختلاف بقاع الأرض والمواد التي تتركب منها واختلاف تركب الناس من تلك المواد، والتأثير لاختلاف تلك المواد على اختلاف روحياتهم وأفكارهم وأخلاقهم كان هناك اختلافات بين الناس. وهنا يرد سؤالان: الأوّل: إنّ أبانا آدم عليه السلام خلق من التراب وولد الناس لاحقاً من نطفة آدم وأولاده، وليس من التراب.
والآخر: ألا يقوي هذا الكلام مذهب الجبر الذي يرغم أنّ كلّ إنسان مجبر على الأفعال ولا يمكن تغيير ذلك؟ ونترك الإجابة عن السؤال الثاني لمبحث التأملات في آخر الخطبة. وهناك سبيلان للاجابة عن السؤال الأوّل:
الأوّل: إنّ الناس وإن ولدوا بعد آدم من نطفته؛ إلّاأنّ النطفة تتركب من مواد مختلفة تعود الجوانب الرئيسية فيها للأرض وتتغذى في رعرعتها على غذاء الام لتبلغ مرحلة الكمال حتى تلد، وغذاء الام مهما كان يتألف من مواد الأرض، فالنباتات تخرج من الأرض والحيوانات تتناول النباتات وعليه فنمو الجنين منذ كونه نطفة حتى تحوله إلى الكمال يستند جميعاً إلى مواد الأرض.
وربّما يتضح الموضوع أكثر بهذا المثال وهو أنّ الأشجار المثمرة التي تنمو في أراضٍ مختلفة وكذلك الحيوانات وبذور الأطعمة مختلفة تماماً؛ مثلًا، العنب الذي ينمو في بقعة أحلى وألطف من الآخر في بقعة أخرى وهكذا سائر الثمار، والناس كذلك، وحيث إنّ رابطة الجسم والروح بالنسبة لبعضها قريبة جدّاً فإنّ تفاوت هذه
[١]. «عذب» الحلو.
[٢]. «حزن» إن استعملت في الأرض عنت المتموجة و «حزن» تعني الغم من هذه المادة.
[٣]. «سهل» إن استعملت عنت المستوية المنبسطة ومنه أيضاً السهل أي البسيط.