نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٩ - تأمّل عاقبة الإنسان بعد الموت
ولا شك أنّ الأرواح لها شأن آخر، فإنّ أرواح المسيئين في عذاب شديد كما أشار القرآن الكريم إلى نماذج منها مثل عاقبة آل فرعون حيث قال:
«النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ» [١].
وأمّا أرواح الأخيار في الجنّة البرزخيّة وكما قال القرآن الكريم بشأن الشهداء الذين قتلوا في سبيل اللَّه: «فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّه مِنْ فَضْلِهِ» [٢].
بل هذا ما يستفاد من بعض الروايات أنّ أرواح الأخيار في تلاقي وتزاور، بل هم في حلقات الانس والمؤانسة.
فقد روى المرحوم الكليني في الجزء الثالث من كتاب «الكافي» في باب أرواح المؤمنين عن حبّة العرني قال: خرجت مع أميرالمؤمنين عليه السلام إلى الظهر، فوقف بوادي السلام كأنّه مخاطب لأقوام، فقمت بقيامه حتى أعييت ثم جلست حتى مللت، ثم قمت، حتى نالني مثل ما نالني أوّلًا، ثم جلست حتى مللت، ثم قمت وجمعت ردائي فقلت: يا أميرالمؤمنين إني قد أشفقت عليك من طول القيام، فراحة ساعة! ثمّ طرحت الرداء ليجلس عليه، فقال لي: «يا حَبّة، إنْ هُو إلّامُحادثةُ مُؤمن أو مُؤانسته». قال: قلت: ياأميرالمؤمنين، وإنّهم لكذلك؟ قال: «نَعم، وَلَو كُشِفَ لَكَ لَرأيتَهُم حَلَقاً حَلَقاً مُحبتين يَتَحادَثُون». فقلت: أجسام أم أرواح؟ فقال: «أَرواحٌ، وَما مِن مُؤمنٍ يَموتُ فِي بُقعَةٍ مِن بِقاع الأرضِ، إلّاقِيلَ لِروحِه: إلحَقي بِوادي السّلام، وإنّها لَبُقعةٍ مِنْ جَنّةِ عَدنٍ» [٣].
وعلى هذا الأساس فإنّ الإمام علي عليه السلام صرّح في هذه العبارات إلى عدم انحصار الموت بالحياة الجسمانيّة للإنسان ولا بعالم الأرواح فقط، وذلك أنّ أغلب الناس
[١]. سورة غافر، الآية ٤٦.
[٢]. سورة آل عمران، الآية ١٧٠.
[٣]. الكافي، ج ٣، ص ٢٤٣، باب في أرواح المؤمنين، ح ١.