نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٢ - الشرح والتفسير تقلب احوال الدنيا
أَحْوَالُهَا» نتيجة لتلك الحوادث المتنوعة والبلايا التي تصيب الإنسان من كلّ جانب، وعدم أمن سكنتها في العبارة «وَ لَا يَسْلَمُ نُزَّالُهَا» بسبب تلك الحوادث المريرة وتقلبات الدنيا.
ثم أكّد عليه السلام ذلك بعبارة موقظة فقال: «أَحْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَتَارَاتٌ [١] مُتَصَرِّفَةٌ [٢]، الْعَيْشُ فِيهَا مَذْمُومٌ، الأَمَانُ مِنْهَا مَعْدُومٌ».
وتاريخ البشريّة برمته شاهد حي على هذا الكلام العميق المعنى وأبعد من ذلك آيات القرآن التي تكشف الستار عن قصص الماضين، والصورة ذات العبرة التي رسمها القران أواخر سورة القصص عن حياة الثريّ المعروف من بني إسرائيل قارون الذي ظهر يوماً بين بني إسرائيل بزينته وخدمه وحشمه ويستعرض قوّته وثراءه أمام الجميع حتى انبرى البعض منهم ممن غرّته زخارف الدنيا ليقولوا: «يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِىَ قَارُونُ» ولم يطلع الغد حتى ابتلعته الأرض بالزلزلة والخسف بكلّ ما يملك فأخذت أصحاب الدنيا الرهبة ليقولوا «لَوْلَا أَنْ مَّنَّ اللَّه عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا».
ولا تبدو هذه الحوداث قليلة في عصرنا، بل اتسعت للغاية وانتشرت لنرى كلّ يوم تلك المشاهد باعيننا.
ثم شبّه الإمام عليه السلام في ختام هذا المقطع حوادث الدنيا وسكنتها تشبيهاً رائعاً فقال: «وَإِنَّمَا أَهْلُهَا فِيهَا أَغْرَاضٌ مُسْتَهْدَفَةٌ [٣]، تَرْمِيهِمْ بِسِهَامِهَا، وَتُفْنِيهِمْ بِحِمَامِهَا [٤]».
نعم فالناس في هذا العالم أهداف فاقدة للدفاع أمام سهام البلاء المصوبة نحوها من اليمين والشمال والأعلى والأسفل؛ السهام التي قلّما تخطئ وتصيب كبد الهدف فتقضي عليه، وهل من أمن في الميدان الذي أحاط به الرماة ويستهدفون الإنسان
[١]. «تارات» جمع «تارة» على وزن «غارة» بمعنى الزمان وتأتي عادة بمعنى مرّة.
[٢]. «متصرّفة» من «التصرف» التغير.
[٣]. «مستهدفة» من مادة «هدف» التي يصوب نحوها السهم.
[٤]. «حمام» من مادة «حم» على وزن «غم» التقدير ومن هنا يراد به الموت الذي قدره اللَّه ويعني الطير بالكسر.