نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٤ - ٢ امراء الكلام
يفسّر براعة البعض في الخطابة في التجمعات الكبرى، وإعياء البعض الآخر في التجمعات الصغرى، كما أنّ حالات الإنسان الروحية من قبيل الحزن والسرور والعافية والسقم والهدوء والاضطراب لمن الأمور التي لها غاية التأثير في هذه القضيّة، وهذا ما أشار إليه الإمام عليه السلام في الخطبة بعبارة الامتناع والاتساع.
وقد ذكر ابن أبي الحديد نماذج رائعة في الأشخاص الذي ارتقوا المنبر وتلعثموا في الخطابة وعيوا في الألفاظ فهبطوا من المنبر، فنقل عن كتاب «البيان والتبيين» للجاحظ موارد منها:
إنّ عثمان صعد المنبر وتوقف عن الكلام فقال هذا الكلام، ونزل: «أنتم إلى إمامٍ عادلٍ أحوج منكم إلى إمام خطيب» (تركيز عثمان على مسألة العدالة رائعة للغاية).
وروي أنّ عدي بن أرطاة رقى المنبر ولم تكد تقع عينه على الناس حتى توقف فقال: (الحمد للَّهالذي يطعم هؤلاء ويسقيهم) ثم نزل.
كما صعد روع بن حاتم، المنبر فلما رأى الناس يتطلعون إليه نادى: إخفضوا رؤوسكم وأغمضوا أعينكم فركوب الدابة صعب أول الأمر فإن فتح اللَّه شيئاً سهل.
وقيل: أراد مصعب بن حيان أن يلقي خطبة في النكاح فقال: لقّنوا موتاكم لا إله إلّا اللَّه. فقامت له ام العروس وقالت: عجّل اللَّه موتك ألهذا دعوناك! وسائر الموارد من هذا القبيل [١].
٢. امراء الكلام
ما ذكره الإمام عليه السلام في هذه الخطبة (وإنّا لُامراء الكلام) حقيقة لا تنكر يعترف بها العدو قبل الصديق. وما خلّفه هذا البيت من تراث خير شاهد على ذلك؛ كأحاديث النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله التي نشرت تحت عنوان (نهج الفصاحة، ونهج البلاغة) بأجزائه الثلاثة والأدعية كدعاء كميل والصباح الذي ينتهي سنده للإمام علي عليه السلام وخطبتي
[١]. انظر: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ١٣، ص ١٣ و ١٤.