نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨ - الشرح والتفسير الدنيا ممرّ
تركيزهم على الأمور والمسائل المعنوية.
ثم قال في الأخير: «للَّه آبَاؤُكُمْ! فَقَدِّمُوا بَعْضاً يَكُنْ لَكُمْ قَرْضاً، وَلَا تُخْلِفُوا كُلًّا فَيَكُونَ فَرْضاً عَلَيْكُمْ».
الجملة «للَّه آبَاؤُكُمْ!» تذكر عادة للتعجب المقرون بالاحترام [١] والمراد من الجملة «فَقَدِّمُوا بَعْضاً ...» أنّ الإنسان مادام حيّاً ينفق من أمواله في سبيل اللَّه على الفقراء أو الأمور الخيرية بمقتضى «وَمَا عِنْدَ اللَّه بَاق» [٢] و «مَّنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّه قَرْضاً حَسَناً» [٣] والتعبير ب «بعض» حتى لا ينبغي للإنسان أن يحرم ورثته المحتاجين غالباً فذلك بعيد عن الانصاف، وقد ورد الذم في الروايات على من ينفق أمواله في حياته ولا يترك شيئاً للورثة.
قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله في أحد الأنصار الذي أنفق جميع أمواله قبل موته ولم يبق شيئاً لأولاده: «لَوْ أعْلَمْتُمُوني أمْرَهُ ما تَرَكْتُكُمْ تَدْفُنُوهُ مَعَ الْمُسْلِمينَ يَتْرُك صِبيتَهُ صِغاراً يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ» [٤]. طبعاً هذا النهي في من له ورثة محتاجون.
من جانب آخر ورد الذم بشدّة لمن لا ينفق شيئاً من أمواله في سبيل اللَّه ويبقيه جميعاً للورثة.
قال الإمام الصادق عليه السلام في تفسير الآية «كَذَلِك يُرِيهِمُ اللَّه أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ» [٥]: «هُوَ الرَّجُلُ يَدَعُ مالَهُ لا يَنْفِقُهُ في طاعَةِ اللَّه بُخلًا ثُمَّ يَمُوتُ فَيَدَعَهُ لِمَنْ يَعْمَلُ فيهِ بِطاعَةِ اللَّه أوْ في مَعْصِيَةِ اللَّه فإنْ عَمِلَ بِهِ في طاعَةِ اللَّه رَآهُ في ميزانِ غَيْرِهِ فَرآهُ حَسْرَةً وَقَدْ كانَ الْمالُ لَهُ وَإِنْ كانَ عَمِلَ بِهِ في مَعْصِيَةِ اللَّه قَوّاهُ بِذلِك الْمالِ حَتّى عَمِلَ بِهِ في مَعْصِيَةِ اللَّه عَزَّوَجَلَّ» [٦].
[١]. ظاهر هذه الجملة بصيغة مبتدأ وخبر، أي أنّ آباءَكم لله ويلزم من ذلك رحمة اللَّه عليهما.
[٢]. سورة النحل، الآية ٩٦.
[٣]. سورة البقرة، الآية ٢٤٥.
[٤]. الكافي، ج ٥، ص ٦٧، ح ١.
[٥]. سورة البقرة، الآية ١٦٧.
[٦]. الكافي، ج ٤، ص ٤٢.