نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٩ - الشرح والتفسير الزهاد الحقيقيون
القسم الرابع
مِنْها في صِفَةِ الزُّهّادِ: كانُوا قَوْماً مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا، فَكَانُوا فِيهَا كَمَنْ لَيْسَ مِنْهَا، عَمِلُوا فِيهَا بِمَا يُبْصِرُونَ، وَبَادَرُوا فِيهَا مَا يَحْذَرُونَ، تَقَلَّبُ أَبْدَانُهُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِ الْآخِرَةِ، وَيَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْيَا يُعَظِّمُونَ مَوْتَ أَجْسَادِهِمْ وَهُمْ أَشَدُّ إِعْظَاماً لِمَوْتِ قُلُوبِ أَحْيَائِهِمْ.
الشرح والتفسير: الزهاد الحقيقيون
قال الإمام عليه السلام في الجانب الآخر من هذه الخطبة الذي يشير تعبير السيد الرضي أنّه مستقل عمّا سبق لأنّه يقول (منها في صفة الزهاد). «كانُوا قَوْماً مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا، فَكَانُوا فِيهَا كَمَنْ لَيْسَ مِنْهَا».
هذه هي الصفة الاولى من الصفات الخمس التي ذكرها الإمام عليه السلام للزهاد في هذه العبارة. من الواضح أن لا تناقض قط في العبارة، فالمراد أنّ جسمهم في الدنيا لكن روحهم وقلبهم معلق بالآخرة.
وقد جرب ذلك كلّ شخص في حياته أنّ قلبه حين ينشغل بقضية مهمّة يكون فكره متعلق بموضوع آخر وإن كان وسط أيجماعة، وتؤدي هذه الصفة إلى اختلاف أعمال الزهاد مع أصحاب الدنيا، فهؤلاء يجدون في التزود من الدنيا وأولئك في التزود لها، ودليل ذلك واضح أنّ الزهاد لا يرون الدنيا سوى ممر والحياة الواقعيّة حسب القرآن هي الدار الآخرة «وَإِنَّ الدَّارَ الْاخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ» [١].
[١]. سورة العنكبوت، الآية ٦٤.