نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٥ - الشرح والتفسير الدنيا الغرارة!
ثم تناول عليه السلام حال الماضين ببضع عبارات موجزة فقال: «الَّذِينَ احْتَلَبُوا [١] دِرَّتَهَا [٢]، وَأَصَابُوا غِرَّتَهَا [٣]، وَأَفْنَوْا عِدَّتَهَا، وَأَخْلَقُوا [٤] جِدَّتَهَا [٥]. وَأَصْبَحَتْ مَسَاكِنُهُمْ أَجْدَاثاً [٦]، وَأَمْوَالُهُمْ مِيرَاثاً. لَا يَعْرِفُونَ مَنْ أَتَاهُمْ، وَلَا يَحْفِلُونَ [٧] مَنْ بَكَاهُمْ، وَلَا يُجِيبُونَ مَنْ دَعَاهُمْ».
العبارات: «الَّذِينَ احْتَلَبُوا دِرَّتَهَا، وَأَصَابُوا غِرَّتَهَا ...» والعبارات ... إشارة إلى الأشخاص الذين تمتّعوا بجيمع ملذات الدنيا. وكان لبناً في ثدي الدنيا فحلبوه وشربوه إلى آخره واستغلوا كلّ متع الدنيا ولكنهم كأن لم يلبثوا فيها فكانوا طبق العبارة «وَأَصْبَحَتْ مَسَاكِنُهُمْ أَجْدَاثاً».
ولهذه العبارة القيمة معنيان؛ الأوّل: انتقلوا من قصورهم إلى القبور، والآخر: إنّ قصورهم تهدمت عليهم بفعل بعض الحوادث المهوله كالزلزلة فأضحت قبورهم.
وبيّن عليه السلام بالدقة في العبارات الخمس الأخيرة التي تبدأ ب (أصبحت) أنّهم اغتربوا عن الدنيا بحيث لم يعودوا يعرفون من يزورهم ويبكيهم من قرابتهم ومعارفهم ولا يسمعون صراخهم.
طبعاً هذا بخصوص أصحاب الدنيا الذين نسوا اللَّه ولم تكن حصيلة أعمارهم سوى التهافت على الدنيا، أما المؤمنون الصالحون حسب ما ورد في الرواية فيعرفون من يقف على قبورهم ويأنسون بهم ويغتمون لانصرافهم.
قال أحد أصحاب الكاظم عليه السلام إسحاق بن عمار: سألته عن المؤمن يعرف من يزوره في قبره؟ فقال: «نَعَمْ وَلايَزالُ مُسْتَأْنِساً بِهِ مادامَ عِندَ قَبْرِهِ فَإذا قامَ وَانْصَرَفَ
[١]. «احتلبوا» من «حلب» على وزن «طرب» و «حلب» على وزن «حرب» بمعنى استخراج الحليب.
[٢]. «درّة» اللبن أو الحليب الكثير.
[٣]. «غرّة» الغفلة والسهولة.
[٤]. «أخلقوا» من مادة «اخلاق» القدم من مادة «خلق» على وزن «ورق» التآكل.
[٥]. «جدّة» جديد ولهذه المفردة معنى الاسم.
[٦]. «أجداث» جمع «جدث» على وزن «هوس» القبر.
[٧]. «لا يحفلون» لا يبالون من مادة «حفل» على وزن «حرب» الاهتمام.