نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٠ - الشرح والتفسير المعبر الذي لا مفر منه
غَمَرَاتِهِ [١]، وَغَوَاشِي سَكَرَاتِهِ، وَأَلِيمُ إِرْهَاقِهِ [٢]، وَدُجُوُّ [٣] أَطْبَاقِهِ [٤]، وَجُشُوبَةُ [٥] مَذَاقِهِ».
حيث بيّن عليه السلام بهذه الحملات السبع وبمختلف العبارات وبأدق وصف، اللحظات الرهيبة آخر العمر، لحظات مهولة وموحشة للغاية، لحظات مظلمة ودامية وصف عليه السلام ظلمتها بأربع مفردات مختلفة (دواجي، حنادس، غواشي ودجو) تكشف مدى بلاغة الإمام عليه السلام وتنوع الألفاظ يضاعف فصاحة كلماته وبلاغتها.
ثم حذّر عليه السلام مخاطبيه من نزول الموت المفاجئ وضرورة اليقظة في أنّ هذا الموت لا يقبل دائماً بعد مقدمات طويلة وأمراض، بل ما أكثر أن يحلّ ويفني كلّ شيء بلحظة فقال: «فَكَأَنْ قَدْ أَتَاكُمْ بَغْتَةً فَأَسْكَتَ نَجِيَّكُمْ [٦]، وَفَرَّقَ نَدِيَّكُمْ [٧]، وَعَفَّى [٨] آثَارَكُمْ، وَعَطَّلَ دِيَارَكُمْ، وَبَعَثَ وُرَّاثَكُمْ، يَقْتَسِمُونَ تُرَاثَكُمْ».
وموت الفجأة الذي كان وما زال يفاجىء الناس، أعظم عبرة من غيره، حيث لا يعرف صغيراً أو كبيراً ويطال الإنسان كيفما كان، وقد ذكر المرحوم العلّامة التستري في شرحه لنهج البلاغة عدداً من الأنبياء ومنهم موسى وداود وسليمان الذين ماتوا موت الفجأة، نعم، ظاهر القرآن بشأن سليمان يشهد أنّ ملك الموت توفّاه واقفاً مستنداً على عصاه «فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ» [٩].
[١]. «غمرات» جمع «غمرة» على وزن «ضربة» الشدائد و «غمرات الموت» شدائد وصعاب الموت والاحتضار التي تصيب الإنسان فالغمرة تقال للماء الكثير الذي يأخذ الشيء.
[٢]. «ارهاق» من مادة «رهق» على وزن «شفق» تغطية الشيء بالقهر والغلبة ويطلق على الأعمال الشاقة، جدير ذكره وردت في بعض النسخ بدل «ارهاق»، «ازهاق» من مادة «زهوق» الاضمحلال والهلكة و «ازهاق الروح» فصل الروح عن البدن.
[٣]. «الدجوّ» الظلمة كما ورد أعلاه.
[٤]. «اطباق» جمع «طبق» وضع شيء على آخر كأنّ للظلمة طبقات تتراكم على بعضها.
[٥]. «الجشوبة» الخشونة؛ سواء في الطعام أو الكلام وما شابه ذلك.
[٦]. «النجيّ» المناجي والذي يهمس في الاذن من مادة «نجوى».
[٧]. «النديّ» الجماعة الذين يجتمعون للمشورة أو الأحاديث المتعارفة.
[٨]. «عفّى» أزال الأثر من مادة «عفىّ» له عدّة معانٍ بحكم باب التفعيل منها المحو.
[٩]. شرح نهج البلاغة للمرحوم التستري، ج ١١، ص ٢٧٥.