نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٦ - تأمّل الآثار السيئة للفقر
كما عانى خواص أهلالبيت عليهم السلام في العصور اللاحقة بمضمون المثل المعروف «الْبَلاءُ لِلْوِلاءِ» من هذا الفقر المفروض واستمر ذلك حتى عصرنا الحاضر، وهذا الفقر ليس بعيداً عن العيب فحسب، بل هو فخر، والعيب أن يتخلى الإنسان عن الوظيفة من أجل الدنيا والاستسلام للعدو.
وإلى ذلك أشار الحديث الشريف «مَنْ أَحَبَّنا أهْلَ الْبَيْتِ فَلْيُعدَّ لِلْفَقْرِ جِلْباباً» [١].
وعليه فالفقر الحاصل من الكسل والهروب من العمل أو سوء الإدارة ليس مطلوباً للإنسان قطّ.
ويشير كلام الإمام عليه السلام في هذا الدعاء إلى أنّ سلسلة من الرذائل الأخلاقيّة التي يفرزها الفقر بمعنى العوز والحاجة، فالتواضع للأشرار ومدح وذم من لا يستحق، لمن تلك الرذائل الأخلاقيّة التي تنشأ من الفقر بمعنى العوز.
الجملة «لا تَبْذُلْ جاهي بِالْاقْتارِ» دليل على أنّ الفقر الفردي يزيل ماء وجه الإنسان، والفقر الاجتماعي يزيل ماء وجه المجتمع وهذا ما لا ينسجم أبداً والعزة الناشئة من الإيمان: «وَللَّه الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ» [٢].
قال أميرالمؤمنين علي عليه السلام: «يا بُنَيَّ الْفَقيرُ حَقيرٌ لايُسْمَعُ كَلامُهُ وَلا يُعْرَفُ مَقامُهُ لَوْ كانَ الْفَقيرُ صادِقاً يُسَمُّونَهُ كاذِباً وَلَوْ كانَ زاهِداً يُسَمُّونَهُ جاهِلًا».
ثم أضاف عليه السلام: «يا بُنَيَّ مَنِ ابْتُلِيَ بِالْفَقرِ ابْتُلِيَ بِأَرْبَعِ خِصالٍ: بِالضَّعْفِ في يَقينِهِ وَالنُّقْصانِ في عَقلِهِ وَالرِّقَّةِ في دينِهِ وَقِلَّةِ الْحَياءِ في وَجْهِهِ، فَنَعُوذُ بِاللَّه مِنَ الْفَقْرِ» [٣].
وإننا لنرى اليوم بام أعيننا أنّ الفقر مصدر ما لا يحصى من المفاسد كالابتلاء بالمخدرات والفحشاء والخيانة والسرقة وخدمة الأجانب وما شابه ذلك، ومن هنا ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «غِنىً يَحْجُزُك عَنِ الظُّلمِ خَيرٌ مِنْ فَقْرٍ يَحْمِلُك
[١]. بحار الأنوار، ج ٤٦، ص ٣٦.
[٢]. سورة المنافقون، الآية ٨.
[٣]. بحار الأنوار، ج ٦٩، ص ٤٧، ح ٥٨، من باب فضل الفقر والفقراء.