نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٩ - الشرح والتفسير قصة المنافق الأشعث بن قيس
ولا يهتز لذلك؟ الإمام يقول أنا ذلك الشخص ويقسم عليه صراحة.
ويمكن توجيه الدليل الذي ذكره الإمام عليه السلام على هذا الأمر، فالامتيازات المادية إنّما تحظى بأهمّية من الدنيا كبيرة وعظيمة لديه أمّا من كان في قمة معرفة اللَّه وكل ما سواه لا شيء بالنسبة له والدنيا عنده كورقة نبات في فم جرادة، فليس هنالك من داعٍ لأن يعصي اللَّه ويرتكب الظلم.
فالإمام علي عليه السلام كان ينظر إلى باطن الدنيا ببصيرته؛ حيث كان يرى كلّ تلك الملذات والنعم المادية آيلة إلى الفناء والزوال وليس هنالك مايستحق التعلق به أو يفكر بالتعلق به.
ومن هنا إن أردنا أن نقطع دابر الرشوة والظلم والجور والتعدي على حقوق الآخرين لابدّ أن نجتهد من أجل رفع مستوى معرفة الإنسان باللَّه والدنيا.
يفهم ضمنياً من هذه العبارات بالدلالة الالتزامية أنّ الظلم والجور والحكم بغير الحق لمن أسوأ المعاصي لاينبغي إرتكابها حتى لو حصل على الدنيا برمتها.
ثم اختتم الإمام عليه السلام بعبارة موجزة وموقظة في الواقع ناظرة لكل مضمون الخطبة فقال: «نَعُوذُ بِاللَّه مِنْ سُبَاتِ [١] الْعَقْلِ، وَقُبْحِ الزَّلَلِ. وَبِه نَسْتَعِينُ».
إشارة إلى أنّ العقل إن كان يقظاً واقترن بلطف اللَّه لما قارف الإنسان الكبيرة وقلّما يرتكب الصغيرة.
ونختتم هذا الكلام بنقل روايتين: قال الحافظ أبونعيم الاصفهاني أحد علماء العامّة في كتابه المشهور «حلية الأولياء»: «إنّ النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله قال لعليّ عليه السلام:
«يا عَليّ! إِنّ اللَّه قَدْ زَيَّنَك بِزينَةٍ لَمْ يُزيِّنِ الْعِبادَ بِزينَةٍ أحَبَّ إلَى اللَّه مِنْها هِي زينَةُ الْابْرارِ عِنْدَاللَّه تَعالى وَالزُّهْدُ فِي الدُّنْيا فَجَعَلَك لا تَرْزَءُ مِنَ الدُّنْيا شَيْئاً وَلا تَرْزَءُ مِنْك
[١]. «سبات» من مادة «سبت» على وزن «وقت» التعطيل لأجل الاستراحة؛ ويطلق «سبات» على التوقف عن العمل وهذا هو المراد بها في العبارة وتسمية السبت لدى العرب كون هذه التسمية في الأصل جاءت من اليهود لأنّهم يعطلون أعمالهم في يوم السبت.