نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠١ - الشرح والتفسير قصة الحديدة المحماة
عقيل ظاهراً كان مكفوفاً آنذاك ومدّ يده علّه يحصل على درهم أو دينار ولم يكن يعلم ما الذي ينتظره فلما شعر بالحرارة تقترب من يده: «فَضَجَّ ضَجِيجَ ذِي دَنَف [١] مِنْ أَلَمِهَا، وَكادَ أَنْ يَحْتَرِقَ مِنْ مِيْسَمِهَا [٢]».
ثم قال الإمام عليه السلام مواصلًا كلامه: «فَقُلْتُ لَهُ: ثَكِلَتْك الثَّوَاكِلُ [٣]، يَا عَقِيلُ! أَتَئِنُّ مِنْ حَدِيدَة أَحْمَاهَا إِنْسَانُهَا [٤] لِلَعِبِهِ، وَتَجُرُّنِي إِلَى نَا سَجَرَهَا [٥] جَبَّارُهَا لِغَضَبِهِ! أتَئِنُ [٦] مِنَ الأَذَى وَلَا أَئِنُّ مِنْ لَظىً؟! [٧]».
«ثواكل» جمع «ثاكلة» الام التي مات ولدها وإن اطلق على كلّ ام في عزاء.
التعبير باللعب إشارة إلى أنّ نار الدنيا مهما كانت محرقة إلّاأنّها ليست أكثر من لعبة إزاء نار الآخرة فالنار الحقيقية هناك، لذلك عبّر الإمام عليه السلام عن الاولى ب «أذى» والثانية «لظى».
يستفاد ضمنياً من تعبيرات الإمام عليه السلام خلافاً لما يظنه بعض الجهّال، فإنّ الإمام عليه السلام لم يضع قط حديدة محماة في يد عقيل، بل قربها من يده وحيث كان أعمى خاف وصرخ.
انتشرت هذه القصّة في جميع الأوساط حتى وصلت إلى معاوية حسب بعض الروايات فأيقظت العديد من الغافلين وأفادت نهاية الكرم العثماني من بيت المال على القرابة والأفراد المقربين. فإذا كانت هذه معاملة الإمام لأخيه إزاء طلب صغير على خلاف العدالة فما بال الآخرين، فما عليهم سوى عدم التفكير بأي امتياز.
وتطلق هذه المفردة أحياناً على جهنم كما ورد في الآية ١٥ من سورة المعارج:
«كَلَّا انَّهَا لَظَى».
بعبارة اخرى أنّ ذلك لم يكن درساً لعقيل فحسب، بل لعامة الناس في العالم
[١]. «دنف» السقم الشديد.
[٢]. «ميسم» اسم آلة من مادة «وسم» الحرارة الشديدة؛ ولكن يبدو أنّها وردت هنا بصيغة المصدر بمعنى الحرارة.
[٣]. «ثواكل» جمع «ثاكلة» الام في عزاء ابنها وتستعمل أحياناً المرأة المعزاة.
[٤]. «إنسانها» هنا بمعنى: صاحبها.
[٥]. «سجرها» من «السجور» تعني في الاصل اشعال نار التنور ثم اطلقت على كلّ اشعال.
[٦]. «تئن» من مادة «انن» الأنين والتألم.
[٧]. «لظى» شعلة النار الخالصة والتي تكون شديدة الحرارة.