نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٨ - الشرح والتفسير الرحمة بالنفس؟
عذر وعملك يدل على أنّك لم تعرف نفسك.
ومن هنا يتضح خطأ من ذهب إلى أنّ صفة الكريم في الآية لتلقين المخاطب بأن يقول في الجواب: «غرّني كرمك»، بل يريد أن يقول بالعكس رغم كلّ هذا الكرم واللطف مع كلّ هذا العصيان المخجل الذي يفتقر إلى العذر والحجّة، لذلك ورد في الحديث النبوي أنّ النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله لما تلا الآية قال: «غرّهُ جَهلُهُ» [١].
ثم خاض الإمام عليه السلام في شرح هذا الكلام ليسلط بهذه العبارات سوط ملامته وتوبيخه على جسد أرواحهم الهامدة علّهم يفيقون ويعودوا عن غيهم فقال: «يَا أَيُّهَا الْانْسَانُ، مَا جَرَّأَك عَلَى ذَنْبِك، وَمَا غَرَّك بِرَبِّك، وَمَا أَنَّسَك بِهَلَكَةِ نَفْسِك؟».
إشارة إلى أنّ غريزة حبّ الذات في الإنسان أقوى الغرائز؛ فالإنسان بصورة طبيعية يحب نفسه أكثر من أي شخص آخر وإذا رأينا شخصاً يطعن صدره وعضده لذهلنا وتساءلنا مع أنفسنا: هل أصيب بالجنون، أو يرغب شخص عاقل بهلاك نفسه؟ فإن لم تكن للإنسان أدنى رغبة بهلاك نفسه فلم يتقبل الغرور والذنب والمعصية التي تؤدي إلى هلاكه؟!
ثم قال عليه السلام: «أَمَا مِنْ دَائِك بُلُولٌ [٢]، أَمْ لَيْسَ مِنْ نَوْمَتِك يَقَظَةٌ؟ أَمَا تَرْحَمُ مِنْ نَفْسِك مَا تَرْحَمُ مِنْ غَيْرِك؟».
ثم أوضح هذه الحقيقة بذكر مثال فقال: «فَلَرُبَّمَا تَرَى الضَّاحِيَ [٣] مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ فَتُظِلُّهُ، أَوْ تَرَى الْمُبْتَلِي بِأَلَمٍ يُمِضُ [٤] جَسَدَهُ فَتَبْكِي رَحْمَةً لَهُ! فَمَا صَبَّرَك عَلَى دَائِك، وَجَلَّدَك [٥] عَلَى مُصَابِك، وَعَزَّاك عَنِ الْبُكَاءِ عَلَى نَفْسِك وَهِيَ أَعَزُّ الأَنْفُسِ عَلَيْك!».
إشارة إلى ما نراه من تناقض في فعل الآخرين وازدواج في أحكامهم فهم يبدون
[١]. تفسير مجمع البيان، ذيل الآية ٦ من سورة الانفطار.
[٢]. «البلول» التحسن من المرض كما وردت بمعنى الغنى والنشاط.
[٣]. «الضاحي» الشخص المعرض لضوء الشمس، من مادة «ضحو» على وزن «محو» التعرض لأشعة الشمسويقال «ضحى» حين تتسع أشعة الشمس على الأرض.
[٤]. «يمضّ» من مادة «مضّ» على وزن «حضّ» يؤلم.
[٥]. «الجلد» من مادة «جلد» على وزن «بلد» القوّة أو التحمل.