نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٠ - الشرح والتفسير مصير السائرين على الصراط
مَقَاوِمِهِمُ [١] الْمَحْمودَةِ، وَمَجَالِسِهِمُ الْمَشْهُودَةِ، وَقَدْ نَشَرُوا دَوَاوِينَ [٢] أَعْمَالِهِمْ، وَفَرَغُوا لِمُحَاسَبَةِ أَنْفُسِهِمْ عَلَى كُلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ أُمِرُوا بِهَا فَقَصَّرُوا عَنْهَا، أَوْ نُهُوا عَنْهَا فَفَرَّطُوا فِيهَا، وَحَمَّلُوا ثِقَلَ أَوْزَارِهِمْ [٣] ظُهُورَهُمْ، فَضَعُفُوا عَنِ الْاسْتِقْلَالِ بِهَا، فَنَشَجُوا نَشِيجاً [٤]، وَتَجَاوَبُوا [٥] نَحِيباً [٦]، يَعِجُّونَ [٧] إِلَى رَبِّهِمْ مِنْ مَقَامِ نَدَمٍ وَاعْتِرَافٍ».
ولما فرغ الإمام عليه السلام من ذكر حالات أولياء اللَّه كيف يراقبون أنفسهم ويحاسبون أعمالهم وما يبدون من ردود أفعال إزاء ما يبدر منهم من تقصير ويتأوّهون إلى اللَّه خلص إلى نتيجة ذلك فقال: «لَرَأَيْتَ أَعْلَامَ هُدىً، وَمَصَابِيحَ دُجىً [٨]، قَدْ حَفَّتْ بِهِمُ الْمَلَائِكَةُ، وَتَنَزَّلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَفُتِحَتْ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَأُعِدَّتْ لَهُمْ مَقَاعِدُ الْكَرَامَاتِ فِي مَقْعَدٍ اطَّلَعَ اللَّه عَلَيْهِمْ فِيهِ، فَرَضِيَ سَعْيَهُمْ، وَحَمِدَ مَقَامَهُمْ».
هذا القسم من كلام الإمام في الواقع جواب شرط للجملة السابقة: «فَلَوْ مَثَّلْتَهُمْ ...». ذكر الإمام عليه السلام هنا خمس صفات أو نتيجة مهمّة لمراقباتهم تفيد الهدى وكشف الدجى. إشارة إلى أنّهم ليسوا كالزهاد المعتزلين قط الذين لا يرون إلّا أنفسهم، بل هم منقذو الغرقى الذين يسعون لإنقاذ الغرقى في بحر المعاصي، وأنّهم على درجة من العلو والرفعة من حيث المقام والمكانة بحيث تحفهم الملائكة وتقوم
[١]. «مقاوم» جمع «مقام» المكانة المعنوية أو البدنية.
[٢]. «دواوين» جمع «ديوان» الدفتر وتعني هنا صحيفة العمل.
[٣]. «أوزار» جمع «وزر» على وزن «حرز» الحمل الثقيل وتعني هنا حمل المسؤوليات الثقال.
[٤]. «النشيج» الاختناق بالبكاء وترجيع الصوت في الحنجرة إثر البكاء.
[٥]. «تجاوبوا» من «التجاوب» أجاب بعضهم بعضاً وتشير هنا إلى جماعة يجلسون في مكان ويبكون معاً.
[٦]. «النحيب» شدّة البكاء.
[٧]. «يعجّون» من مادة «عج» على وزن «حج» الصياح.
[٨]. «دُجى» جمع «دُجْية» على وزن «لقمة» الظلمة وتستعمل هذه المفردة أحياناً بمعنى المفرد.