نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٤ - تأمّل ممرّ يرده الجميع
رَسمهُ، فَقالُوا: لَو دَعونا اللَّهَ السّاعة فَينشُر لَنا صاحِبَ هذا القَبرِ، فَسألناهُ كَيفَ وَجد طَعمَ الموتِ، فَدعوا اللَّهَ ... فَخرجَ مِن ذَلكَ القَبرِ رَجلٌ أبيضُ الرأسِ واللّحيةِ يَنفُضُ رَأسهُ مِنَ التُرابِ فَزعاً شاخِصاً بَصرهُ إلى السّماءِ، فَقالَ لَهم: ما يُوقفُكُم عَلى قَبري؟
فَقالُوا: دَعوناكَ لِنسألكَ كَيف وَجدتَ طَعم الموتِ، فَقالَ: لَهُم لَقد سَكنتُ فِي قَبري تِسعة وَتسعينَ سنَة ما ذَهبَ عَنّي ألمُ الموتِ وَكربُهُ وَلا خَرج مِرارةُ طعمِ الموتِ مِن حَلقِي ...» [١].
تأمّل: ممرّ يرده الجميع
قيل وقلنا كراراً إنّ الإنسان إن شكّ في كلّ شيء ليس له أن يشك في أنّه سيغادر يوماً هذه الدنيا ويشرب راغباً أو مرغماً كأس المنون. كما أنّ كلّ جنين مهما كان شكله وصورته لابدّ أن يمر يوماً برحم الام ويطأ هذه الدنيا، وكل فاكهة لابدّ يوماً أن تسقط من الشجرة وتقطف. والإنسان شاء أم أبى لابدّ أن يشهد الموت.
فإن كان الأمر كذلك فلماذا لا يرغب البعض بسماع اسم الموت؟ لم يسعون لنسيان هذه الحقيقة التي لاتنساهم؟!
والأهم من كلّ ذلك مقدّمات الموت ونتائجه؛ فالحالات العجيبة التي رسمها المولى أميرالمؤمنين علي عليه السلام في هذه الخطبة بتلك الدقّة كصورة حيّة، وصدى الموت الذي اسمعه كل إنسان مستعد لمغادرة هذه الدنيا ولاسيما من حوله، حيث يبدو أنّ الهدف الأصلي للإمام هو إيقاظ الغافلين وهزّ الثملين من الغرور والأنانية والعجب والأهواء، والحق والإنصاف أنّ الإمام عليه السلام أعطى الكلام حقّه بهذا الخصوص وقال كلّ ماينبغي أن يقال بحيث لا يقرأه غافل أو جاهل إلّاأيقظه وبلغ منه تأثيره.
[١]. الكافي، ج ٣، ص ٢٦٠، ح ٣٨ (بتلخيص).