نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٢ - الشرح والتفسير عقبات الموت لاتستوعب في الالفاظ
نعم! فإن حلّ الأجل زالت اسباب الصحة والسلامة ولم يعد هنالك من أثر للدواء، وعادة ماتكون نتيجته معكوسة فيعيى الأطباء وليس للمريض من سبيل سوى السير إلى الموت.
ما ورد هنا في عبارات الإمام الدقيقة إشارة للتقسيمات التي كانت متداولة في الطب القديم حيث كان الأطباء آنذاك يعتقدون بأربعة أنواع من الأمزجة: المزاج الحار، المزاج البارد، المزاج الرطب، والجاف، وهنالك أربعة أمزجة مركبة من زاوية أخرى: المزاج الحار والرطب (الذي يسمى الدموي) والمزاج الحار والجاف (الصفراوي) والمزاج البارد والرطب (البلغمي) والمزاج البارد والجاف (السوداوي).
طبعاً هذه الأمزجة إن كانت في حد الاعتدال لاتقدح بالصحة، ولأصحابها جميعاً باختلافهم الكثير حياة طيبة؛ ولكن إن غلبت إحدى هذه الأمزجة (الحرارة، البرودة، الرطوبة والجفاف) فلا مناص من التعامل بالعوامل المخالفة لإعادته إلى اعتدال المزاج؛ فالحرارة تسكن بالبرودة والبرودة تحرك بعوامل الحرارة والرطوبة توازن بالجفاف والجفاف يعدل بالرطوبة.
كل هذا التأثير حين لا يختل الأمر وإلّا فليس هنالك أدنى تأثير.
ثم تطرق الإمام عليه السلام إلى المرحلة الثالثة وهي مرحلة اليأس من عودة السلامة وانتظار نهاية العمر عن قريب: «حَتَّى فَتَرَ مُعَلِّلَه [١]، وَذَهَلَ مُمَرِّضُهُ [٢]، وَتَعَايَا [٣] أَهْلُهُ بِصِفَةِ دَائِهِ، وَخَرِسُوا عَنْ جَوَابِ السَّائِلِينَ عَنْهُ».
وكأنّ الإمام عليه السلام كان حاضراً عند هؤلاء المرضى واسرهم فهو يتابع عن كثب حالاتهم فالطبيب يظهر عجزه والممرض يبدي تعبه واسرته لا تدري ما تقول للناس، إذا قالت: صحته أحسن، فذلك غير صحيح، وإذا قالت: أسوأ، فهذا متعب فلا مناص لها من الصمت وتجيب بنظرات العيون المليئة باليأس.
ثم قال عليه السلام: «وَ تَنَازَعُوا دُونَهُ شَجِيَ [٤] خَبَرٍ يَكْتُمُونَهُ: فَقَائِلٌ يَقُولُ: هُوَ لِمَا بِهِ،
[١]. «معلّل» المعالج واخذت في الأصل من «علة» بمعنى المرض.
[٢]. «ممرّض» من مادة «مرض» المعالج.
[٣]. «تعايا» من مادة «عيَّ» العجز.
[٤]. «شجيّ» الغم من مادة «شجو» على وزن «هجو» الهم والغم.