نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٥ - الشرح والتفسير التفاخر الفارغ بدل الاعتبار!
يدور كلام الإمام عليه السلام في هذه الخطبة حول المحور الثاني وهذا دليل واضح على ترجيح هذا التفسير.
فقال الإمام عليه السلام: «يَا لَهُ مَرَاماً [١] مَا أَبْعَدَهُ! وَزَوْراً [٢] مَا أَغْفَلَهُ! وَخَطَراً [٣] مَا أَفْظَعَهُ! [٤]».
نعم، فالعظام البالية تحت التراب والأجساد المتفسخة ليس فيها مايدعو للفخر، فما أحراهم بالاعتبار بدل هذا الافتخار وهم يرون بأم أعينهم أنّهم سيحملون ليوسدوا هذا التراب وينقطعوا عن الأهل والقرابة فيفيقون من هذا السبات العميق والنوم الوبيل. ومن هنا قال الإمام عليه السلام مواصلًا كلامه: «لَقَدِ اسْتَخْلَوْا [٥] مِنْهُمْ أَيَّ مُدَّكِر، وَتَنَاوَشُوهُمْ [٦] مِنْ مَكَان بَعِيد!».
فسّر بعض الشرّاح العبارة «لَقَدِ اسْتَخْلَوْا»: «أنّهم سيذكروا من مات منذ مدّة وأصبح تراباً ففي التفسير الأوّل «استَخْلَوْا» وجدوهم خالين وفي التفسير الثاني بمعنى ذكر الأموات.
ثم وبّخهم توبيخاً شديداً وذمهم فقال: «أَفَبِمَصَارِعِ آبَائِهِمْ يَفْخَرُونَ! أَمْ بِعَدِيدِ الْهَلْكَى يَتَكَاثَرُونَ!».
ترى مامدى جهل الإنسان الذي يريد أن يفخر بتلك العظام النخرة ويجعل أمواته في عداد الأحياء ويعدّهم من الأدلة على كثرته. ثم قال: «يَرْتَجِعُونَ مِنْهُمْ أَجْسَاداً خَوَتْ [٧]، وَحَرَكَات سَكَنَتْ».
[١]. «المرام» بمعنى الهدف والمطلوب ومن مادة «روم» على وزن «قوم» بمعنى الطلب والقصد.
[٢]. «الزور» بمعنى الزائر ويطلق على المفرد والجمع.
[٣]. «الخطر» تعني أحياناً الأمر الخطير وأخرى الأمر المهم والمعنى الثاني هو المراد؛ أيأنّ هؤلاء كانوا يرون كثرة قبور موتاهم مهمة والحال هذا فخر بغيض وموهوم.
[٤]. «أفظع» من مادة «فضاعة» بمعنى القبيح والبغيض.
[٥]. «استخلوا» من مادة «خلوّ» على وزن «غلوّ» بمعنى الخلو والمضي.
[٦]. «تناوشوا» من مادة «تناوش» ومن «نوش» على وزن «خوف» بمعنى تناول الشيء بسهولة أو بقوة والتناوش من مكان بعيد الأخذ عن بعد.
[٧]. «خوت» من مادة «خوى» على وزن «هوا» تعني في الاصل خلت وتعني أحياناً تهدمت وهذا هو المراد بها في العبارة المذكورة.