نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٢ - الشرح والتفسير لا تتملقوا أمامي
إشارة إلى أنّ العاديين من الأفراد حين يقفون بين يدي الجبابرة يخفون شخصيتهم الحقيقية ويتحفظون عن كلّ نقد وشكوى واعتراض حذراً من أن يغضبوا عليهم، ويسعون بالعكس إلى الأمن من شرّهم بالمدح والثناء والتملق، ومن هنا فلا تتضح لهم قط الحوادث الحقيقية في المجتمع فيغطون في وادي الضلالة والجهل.
يطمئن الإمام عليه السلام كلّ مخاطبيه بضرورة بثّ ما لديهم من شكوى ومشكلة فهم أحرار في ما يقولون بشأن الحكومة والمجتمع.
نعم فهذه إحدى الفوارق البارزة بين حكام العدل والجور، ورد في «العقد الفريد»: وقام رجل إلى هارون الرشيد، وهو يخطب بمكة، فقال: «كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّه أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ» [١]. فأمر به فضرب مائة سوط، فكان يئن الليل كله ويقول:
الموت! الموت! فأخبر هارون أنّه رجل صالح، فأرسل إليه واستحلّه فأحلّه [٢].
وجاء في نفس هذا الكتاب أيضاً: جلس الوليد بن عبدالملك على المنبر يوم الجمعة حتى اصفرت الشمس، فقام إليه رجل فقال: ...، إنّ الوقت لا ينتظرك، وإنّ الربّ لا يعذرك، قال: صدقت: ومن قال مثل مقالتك، فلا ينبغي له أن يقوم مثل مقامك، من هاهنا من أقرب الحرس يقوم إليه فيضرب عنقه [٣].
بينما رأينا مراراً في سيرة أميرالمؤمنين عليه السلام أنّ عدداً من المنافقين تفوهوا بأسوأ الكلمات بحضرته كالأشعث بن قيس وبعض الخوارج، فلم يتعرّض لهم قط.
ثم قال مواصلًا ذلك الكلام: «وَلَا تَظُنُّوا بِيَ اسْتِثْقَالًا فِي حَقٍّ قِيلَ لِي، وَلَا الِتمَاسَ إِعْظَامٍ لِنَفْسِي، فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الْحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَو الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ، كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ».
إشارة إلى أنّ الذين لا يطيقون سماع الانتقاد أعجز عن ممارسة الإصلاح، ومن هنا يوغلون كلّ يوم في مزيد من الظلم والفساد، وشجع الإمام عليه السلام في تأكيد هذا
[١]. سورة يوسف، الآية ٣.
[٢]. العقدالفريد، ج ١، ص ٥٣، (طبق نقل شرح نهج البلاغة للمرحوم التستري، ج ٦، ص ٤٤٧ و ٤٤٨).
[٣]. المصدر السابق.