نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٧ - الشرح والتفسير الشكر على الواجب
كلامك يسوقني للكبر والغرور، فأولًا: أنا عرفت اللَّه بعظمته وما سواه صغير حقير بنظري. وثانياً: أنا مشمول بنعم جمّة وعليَّ أن أخضع أكثر من الآخرين لولي نعمتي.
وقال مكملًا ومؤكداً هذا الكلام: «وَ إِنَّ مِنْ أَسْخَفِ [١] حَالاتِ الْوُلَاةِ عِنْدَ صَالِحِ النَّاسِ، أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ حُبُّ الْفَخْرِ، وَيُوضَعَ أَمْرُهُمْ عَلَى الْكِبْرِ، وَقَدْ كَرِهْتُ أَنْ يَكُونَ جَالَ فِي ظَنِّكُمْ أَنِّي أُحِبُّ الْاطْرَاءَ [٢]، وَاسْتِمَاعَ الثَّنَاءِ؛ وَلَسْتُ بِحَمْدِ اللَّه كَذلِك».
صحيح أنّه طبق بعض الاحتمالات كان ذلك المادح هو الخضر عليه السلام ولم ينطق سوى بالحق وما أورده كان في الإمام، بل أكثر من ذلك، إلّاأنّ الإمام أشار إلى أمر ضروري وهو أنني لا استحسن حتى الثناء بالحق فلعله يخلق انطباعاً لدى السامع فيظن أنّه يحب هذا الكلام ويتصف بالكبر والفخر والعجب الذي يؤثر سلباً على علاقة الإمام بالامّة.
ثم قال الإمام عليه السلام: «وَلَوْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يُقَالَ ذلِك لَتَرَكْتُهُ انْحِطَاطاً للَّهسُبْحَانَهُ عَنْ تَنَاوُلِ مَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ».
«وَرُبَّما اسْتَحْلَى النَّاسُ الثَّنَاءَ بَعْدَ الْبَلَاءِ، فَلَا تُثْنُوا عَلَيَّ بِجَمِيلِ ثَنَاءٍ، لِاخْرَاجِي نَفْسِي إِلَى اللَّه سُبْحَانَهُ وَإِلَيْكُمْ مِنَ التَّقِيَّةِ فِي حُقُوقٍ لَمْ أَفْرُغْ مِنْ أَدَائِهَا، وَفَرَائِضَ لَابُدَّ مِنْ إِمْضَائِهَا».
ورد في النسخة الموجودة في المتن المذكور «وَإِلَيْكُمْ مِنَ التَّقِيَّةِ» إشارة إلى تقوى الإمام عليه السلام وخشيته في أداء حقوق الناس، بينما ورد في بعض نسخ «نهج البلاغة» ومتن «الكافي» «بقية» ومعنى ذلك، ما زالت لكم عليَّ بقية حقوق لابدّ أن أجدّ في أدائها، فقد أبان الإمام عليه السلام في هذه العبارة غاية رفعته، حيث بيّن عدم إكتراثه بالمدح والثناء من جانب ومنتهى خضوعه للَّهمن جانب آخر وبالتالي اعترافه بعدم أداء الحقوق بصورة كاملة، الأمر الذي قلّما نجده في زعيم طيلة التاريخ.
[١]. «اسخف» من «السخف» على وزن «قفل» و «سخافة» ضعف العقل والجهل.
[٢]. «إطراء» من «الطراوة» الجديد، وتعني المدح والثناء من باب الإفعال.