نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٢ - الشرح والتفسير حفظة الحديث
وعليه تغيب فيهم أُولى مناشىء تضاد الأخبار: الكذب على اللَّه ورسوله ووضع الأحاديث، حيث إنّ مجانبة الكذب جزء من ذاتهم وخوف اللَّه وتعظيم النّبي بغّضَ إلى نفوسهم الكذب.
ثم قال: «وَلَمْ يَهِمْ [١]، بَلْ حَفِظَ مَا سَمِعَ عَلَى وَجْهِهِ، فَجَاءَ بِهِ عَلَى مَا سَمِعَهُ، لَمْ يَزِدْ فِيهِ وَلَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ».
وهنا زال عنهم المصدر الآخر لاختلاف الأحاديث والذي يتمثل بتساهل الرواة، ثم بيّن عليه السلام صفة أُخرى لرواة الصدق العارفين فقال: «فَهُوَ حَفِظَ النَّاسِخَ فَعَمِلَ بِهِ، وَحَفِظَ الْمَنْسُوخَ فَجَنَّبَ [٢] عَنْهُ، وَعَرَفَ الْخَاصَّ وَالْعَامَّ، وَالْمُحْكَمَ وَالْمُتَشَابِهَ، فَوَضَعَ كُلَّ شَيْء مَوْضِعَهُ».
فهذه العبارة العميقة المعنى إشارة إلى الرواة الصادقين المحيطين إحاطة تامة بالأخبار المختلفة؛ ويعرفون الناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمحكم والمتشابه، فيجعلون كلّاً في موضعه ليبتعدوا عن التناقض والخطأ.
وكلامالإمام عليه السلام بشأن دراسة أساس اختلاف الأحاديث، ليس خاصاً يتعلق بالحديث فحسب، بل يعلمنا درساً أهم وأشمل فلابد من التوجه إلى الأسس والتعرف على العوامل المؤثرة في السعي لإزالة المعوقات وإلّا فإنّ كلّ إصلاح يبقى سطحياً وعابراً.
ثم أشار إلى سبب آخر لاختلاف الأحاديث والذي يكمل المباحث السابقة، وهو اختلاف استعداد الأصحاب في تعلّم الأحاديث وتفسيرها وفهم معناها فقال:
«وَقَدْ كَانَ يَكُونُ مِنْ رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه و آله الْكَلَامُ لَهُ وَجْهَانِ: فَكَلَامٌ خَاصٌّ، وَكَلَامٌ عَامٌّ، فَيَسْمَعُهُ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَا عَنَى اللَّه، سُبْحَانَهُ، بِهِ، وَلَا مَا عَنَى رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه و آله فَيَحْمِلُهُ السَّامِعُ، وَيُوَجِّهُهُ عَلَى غَيْرِ مَعْرِفَة بِمَعْنَاهُ، وَمَا قُصِدَ بِهِ، وَمَا خَرَجَ مِنْ أَجْلِهِ».
[١]. «لم يهم» من مادة «وهم» مطلق الخيال والظن وتعني أحياناً الظن الباطل والخطأ وهذا هو المعنى المراد.
[٢]. «جنّب» من باب تفعيل ومادة «جنب تعني حسب بعض مصادر اللغة، الحفظ والإبعاد بالمعنى اللازموالمتعدي والمعنى الثاني هو المراد.