القواعد الفقهية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩١ - ٢- في انها من الامارات أو الأصول العملية؟
و قد كان بعض سادة اساتذتنا يقول في بحثه في غير هذه المسئلة ببعض المناسبات:
«ان كل ما يكون تحت أيدينا من الأرض و الدار و شبههما قد جرت عليها من أول يوم إحيائها أيدي أناس كثير لا يعلمهم الا اللّه؛ و هل يظن كون جميع الا يدي الجارية على كل عين منها مالكة امينة غير عادية»؟ و من الواضح ان واحدة منها في سلسلتها الطولية إذا كانت عادية لم تكن تلك العين مملوكة لمالكها الفعلي واقعا الآن، و ان كانت ملكا له ظاهرا.
و أوضح من هذا كله حال أموال الناس و أملاكهم في زماننا هذا، الذي غلب عليه و على اهله الجور و الاعتداء، يتقلب كل على غيره و يتملك أمواله له يوما بعنوان القهر و الظلم، و يوما بعنوان بسط العدل و المساواة، و يوما تحت عنوان اجراء أصول الاشتراكية، و يوما بالربا، و يوما بالغش في المعاملة و يوما بالرشاء و بإشكال كثيرة أخر.
و ان أبيت عن جميع ذلك و قلت بغلبة الا يدي الامينة على العادية في جميع ما ذكرنا، فافرض نفسك في صقع من الأصقاع و بلد من البلاد تكون الأيدي المالكة متساوية مع الأيدي الخائنة، فهل ترى من نفسك إسقاط اليد عن دلالتها على الملكية مطلقا و تعامل مع جميع الأموال التي بأيدي الناس هناك معاملة مجهول المالك، و هل يساعدك العقلاء و أهل العرف على ذلك، لو قلت به؟! هذا و لا غر و ان يكون هناك امارة لا تدور مدار الغلبة، و ان تعجب فعجب قولهم بحجية أصالة الحقيقة و تقديمها على احتمال المجاز، و لو كان الاستعمال المجازي بالنسبة الى بعض الألفاظ أغلب من استعماله الحقيقي، فهل ترى فرقا بينه و بين ما نحن فيه؛ و السر فيه أيضا هو ان دلالة اللفظ على المعنى الحقيقي انما هي بمقتضى طبعها الاولى، و شرحه في محله.
و هكذا الحال في أصالة السلامة، الدائرة بين العقلاء؛ فإنها ليست من استصحاب الثابت حجيته بمقتضى اخبار لا تنقض، بل هي حجة من باب الظن الحاصل من مقتضى طبع الإنسان، فإنه يقتضي الصحة و السلامة، و لا ينافي ذلك مساواة المرضى و السالمين أحيانا.