القواعد الفقهية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٢ - المقام الثاني في تعارض ضرر المالك و غيره
و كذلك ما يصدر منه عبثا مع العلم بتضرر غيره منه ضررا معتدا به، لا دليل على جوازها أصلا فإنها خارجة عن حدود السلطنة العرفية العقلائية في باب الأموال كما لا يخفى على الخبير بأحوال العقلاء و اعتباراتهم و أمثلتها.
و الوجه فيه ان سلطنة المالك على ماله كسائر الاعتبارات العقلائية لها حدود معلومة لا يتعدى منها، و من يتعد حدودها فهو خارج عن حيطة اعتباراتهم، و لعل من ذلك ما ذكروه من مثال جعل حانوت حداد في صف العطارين مما يوجب تضررا فاحشا على جيرانه، أو جعل داره مدبغة عظيمة يتأذى منه جيرانه و يشتد عليهم الأمر إلى حد بعيد لا يتحمل عادة، فهل ترى العقلاء من أهل العرف يجوزون ذلك و هل يرون دائرة سلطنة المالك على ماله تشتمل هذه النواحي؟
و بذلك يظهر ان قاعدة السلطنة في حد ذاتها قاصرة عن شمول الصورة الرابعة من صور المسألة المتقدمة، بل الصورة الثالثة أيضا، حتى مع قطع النظر عن ورود أدلة لا ضرر.
اما إذا كان تصرف المالك في ماله لغرض عقلائي في حدوده المتعارفة المعمولة فيما بينهم و لكن لزم منه ضرر على غيره و لزم من تركه ضرر عليه أو فات منه بعض المنافع؛ فهو أيضا على قسمين لأنه تارة يكون صدق عنوان الإضرار بالغير ملازما لصدق عنوان التصرف في ماله أيضا، بأن يكون تصرف المالك في ماله مستلزما لتصرف ضرري في مال غيره، و لو بعنوان التسبيب، كما إذا حفر بئرا في داره خرج منه نضيض كثيرا سقط جدار الجار أو أسقط بعض بيوته عن حيز الانتفاع، فإنه لا إشكال في صدق التصرف في ملك الغير بحفر البئر و لو بعنوان التسبيب في هذا المثال و أشباهه.
و اخرى لا يصدق عليه هذا العنوان و ان لزم منه تضرره، كما إذا رفع جداره على جانب جدار جاره بما يتضرر به و يتنزل قيمة داره، و لعل منه ما ذكروه- و ورد في الروايات أيضا من- نقص ماء قناة لحفر قناة أخرى في أرض قريبة منها، و كذا فساد ماء بئر جاره لحفر البالوعة في داره في مكان قريب منه في بعض الصور لا في جميعها كما لا يخفى.
و إذ قد عرفت ذلك فاعلم انه ان كان من قبيل القسم الأول فهو من باب تعارض الضررين و السلطنتين؛ فكما ان قاعدة السلطنة مع قطع النظر عن أدلة لا ضرر جارية في حق هذا