الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٦ - أمّا الخاصية الثّالثة فهي تقشعر منه الجلود
إنّه لوصف و تجسيد لطيف و جميل لنفوذ آيات القرآن العجيب إلى أعماق القلوب، إذ أنّه في بداية الأمر يبعث في القلب شيئا من الخوف و الرهبة، الخوف الذي يكون أساسا للصحوة و لبدء الحركة، و الرهبة التي تجعل الإنسان يتحسس مسئولياته المختلفة. ثمّ تأتي مرحلة الهدوء و قبول آيات اللّه و تتبعها السكنية و الاستقرار.
هذه الحالة التدريجية التي تبيّن مراحل (السلوك إلى اللّه) المختلفة، يمكن إدراكها بسهولة، فالقلوب تقشعر فور ما تسمع آيات التهديد و التحذير النازلة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، ثمّ تهدأ فور ما تسمع آيات الرحمة.
التفكير بذات اللّه و مسألة أبديته و أزليته و عدم محدوديته يوجد عند الإنسان حالة من الرهبة في كيفية معرفة اللّه، إلّا أنّ دراسة آثار و دلائل ذاته المقدسة في الآفاق و الأنفس تمنح الإنسان نوعا من الارتياح و الهدوء [١].
و التأريخ الإسلامي مليء بالشواهد على التأثير العجيب للقرآن في قلوب المؤمنين، و حتى غير المؤمنين من أصحاب القلوب المستعدة لتقبل الإيمان، فالجاذبية أو النفوذ الخارق للقرآن دليل واضح على أنّ القرآن كتاب نزل من السماء بواسطة الوحي.
و قد ورد حديث عن (أسماء)، جاء فيه (كان أصحاب النّبي حقا إذا قرئ عليهم القرآن- كما نعتهم اللّه- تدمع أعينهم و تقشعر جلودهم) [٢].
أمير المؤمنين عليه السّلام وصف هذه الحقيقة بأفضل وجه في الخطبة الخاصة بالمتقين، إذ قال: «أمّا الليل فصافون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتلونها ترتيلا،
[١]- (تقشعر) من مادة (قشعريرة) و قد ذكر اللغويون و المفسّرون معاني مختلفة و متقاربة بعض الشيء، فالبعض قال: إنّها تعني انكماش جلد البدن (حالة نصيب الإنسان أثناء خوفه) و البعض قال: إنّها الرجفة التي تصيب الإنسان في حالة الخوف، و البعض الآخر قال: إنّها تعني وقوف شعر البدن، و في الحقيقة فإنّ كلّ حالة من هذه الحالات ملازمة للأخرى.
[٢]- تفسير القرطبي، المجلد الثامن، الصفحة ٥٦٩٣، عن التأثير العميق و الخارق لآيات القرآن، أوردنا روايات عديدة في ذيل الآية ٩٢ من سورة آل عمران.