الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٨٧ - القرآن روح من الخالق
المعنى في الآيات القرآنية الأخرى). و يؤيد ذلك بعض الروايات المذكورة في مصادر الحديث المعروفة، و لكن- كما قلنا- فإن التّفسير الأوّل ملاءمة مع الآية لوجود القرائن المتعددة، لذا يمكن أن تكون مثل هذه الرّوايات التي تفسر الروح بمعنى روح القدس أو الملك المقرب من الخالق، إشارة إلى المعنى الباطني للآية.
على أية حال، فإنّ الآية تضيف: ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لَا الْإِيمانُ وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا.
فهذا هو اللطف الإلهي الذي شملك أنزل عليك هذا الوحي السماوي و آمنت بكل ما يحتويه.
فالإرادة الإلهية كانت تقتضي أن يهدي عباده الآخرين في ظل هذا النور السماوي، و أن يشمل الشرق و الغرب- بل و جميع القرون و الأعصار حتى النهاية- إضافة إلى هدايتك أنت إلى هذا الكتاب السماوي الكبير و تعليماته.
بعض المنحرفين فكريا كانوا يتصورون أن هذه الجملة تبيّن أن الرّسول لم يكن يؤمن باللّه قبل نبوته، في حين أن معنى الآية واضح، حيث أنّها تقول: إنّك لم تكن تعرف القرآن قبل نزوله و لم تكن تعرف تعليماته و تؤمن به و هذا لا يتعارض أبدا مع اعتقاد الرّسول التوحيدي و معرفته العالية بأصول العبادة للّه و عبوديته له.
و الخلاصة، إن عدم معرفة محتوى القرآن يختلف عن موضوع عدم معرفة اللّه.
فحياة الرّسول صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قبل مرحلة النبوة و الواردة في كتب التاريخ، تعتبر دليلا حيا على هذا المعنى. و الأوضح من ذلك ما
ورد عن أمير المؤمنين علي عليه السّلام في نهج البلاغة: «و قد قرن اللّه به من لدن أن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم، و محاسن أخلاق العالم، ليله و نهاره» [١].
و تضيف الآية في نهايتها: وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
فالقرآن نور للجميع و ليس لك فحسب، و هو وسيلة لهداية البشر إلى الصراط.
[١]- نهج البلاغة- الخطبة ١٩٢ (الخطبة القاصعة).