الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٨١ - الكلام الحق في الوحي
و لا بأس من ذكر مثال لتوضيح هذا الموضوع ...
لنفرض أنّنا كنا في مدينة كلّ أهلها من العميان (عميان منذ الولادة) و نحن الوحيدون ننظر بعينين، فكل أهل المدينة لهم أربعة حواس (على فرض أن الحواس الظاهرية للإنسان خمسة) و نحن الوحيدون نملك خمسة حواس. عندها سنشاهد أحداثا كثيرة في هذه المدينة، و عند ما نخبر أهل هذه المدينة سيتعجبون جميعهم من هذه الحاسة الخامسة التي تستطيع أن تدرك هذه الحوادث المتعددة، و مهما حاولنا شرح حاسة النظر لهم و فوائدها و آثارها فإنّهم لا يستطيعون فهم ذلك. فمن جانب لا يستطيعون نكران ذلك لإدراكهم آثارها، و من جانب آخر لا يقدرون على درك حقيقة حاسة النظر، لأنّهم غير قادرين على النظر طيلة حياتهم و لو للحظة واحدة.
و لا نريد القول أن الوحي هو (الحاسة السادسة)، بل هو نوع من الارتباط و الإدراك لعالم الغيب و الذات الإلهية المقدسة، و لأننا نفقد ذلك لا نستطيع أن ندرك كنهه بالرغم من إيماننا بوجود الوحي لوجود آثاره.
إنّنا نرى رجالا عظماء يدعون الناس الى أمور هي فوق مستوى أفكار البشر، و يدعوهم إلى الدين الإلهي، و عندهم من المعاجز الخارقة ما يفوق طاقة الإنسان، حيث توضح هذه المعاجز ارتباطهم بعالم الغيب، فالآثار واضحة إلّا أن الحقيقة مخفية.
هل توصلنا- نحن إلى معرفة جميع أسرار هذا العالم، كي ننفي الوحي لصعوبة إدراكه بالنسبة لنا؟! و حتى في عالم الحيوانات، فهناك ظواهر مجهولة نعجز عن تفسيرها، فهل توضحت لنا الحياة المجهولة لبعض الطيور المهاجرة التي قد تقطع ثمانية عشر ألف كيلومتر من القطب الشمالي و حتى الجنوبي أو العكس؟ فكيف تعرف هذه الطيور الطريق بدقة مع أنّها قد تسافر أحيانا في النهار و أحيانا اخرى في الليالي