الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠٢ - مزرعة الدنيا و الآخرة
الآية التي بعدها شبّهت أفراد العالم حيال رزق الخالق و كيفية الاستفادة منه بالمزارعين الذين يقوم قسم منهم بالزراعة للآخرة و القسم الآخر للدنيا، و تحدد عاقبة كلّ قسم منهم وفق تشبيه لطيف حيث تقول: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَ مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [١].
إنه لتشبيه لطيف و كناية جميلة، فجميع الناس مزارعون، و هذه الدنيا مزرعة لنا، أعمالنا هي البذور، و الإمكانات الإلهية هي المطر لهذه المزرعة، إلّا أن هذه البذور تختلف كثيرا، فبعضها غير محدودة النتاج و أبدية، أشجارها دائمة الخضرة و مثمرة و بعضها الآخر قليل النفع جدا، و تنتهي بسرعة، و تحمل ثمارا مرّة.
و في الحقيقة، فإن عبارة (يريد) تشير إلى اختلاف الناس في النيات، و مجموع هذه الآية يعتبر توضيحا لما جاء في الآية السابقة من المواهب و الرزق الإلهي، فالبعض يستفيد من هذه المواهب على شكل بذور للآخرة، و البعض الآخر يستعملها للتمتع الدنيوي.
و الطريف في الأمر أن الآية تقول بخصوص الذين يزرعون للآخرة: نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ إلّا أنّها لا تقول أنّه لا يصيبهم شيء من متاع الدنيا، و بالنسبة لمن يزرع للدنيا تقول: نُؤْتِهِ مِنْها وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ.
و على هذا الأساس فلا طلّاب الدنيا يصلون إلى ما يريدون، و لا طلّاب الآخرة يحرمون من الدنيا، و لكن مع الفارق، و هو أن المجموعة الأولى تذهب إلى الآخرة بأيد فارغة، و المجموعة الثانية بأيد مملوءة.
و قد جاء ما يشبه نفس هذا المعنى في الآية ١٨ و ١٩ من سورة الإسراء، و لكن بشكل آخر:
[١]- مصطلح (حرث) كما يقول الراغب في مفرداته: تعني في الأصل: رمي البذر في الأرض و تهيئتها للزراعة، و في القرآن الكريم استخدمت عدة مرات بهذا المعنى، و لكن لا يعلم سبب اعتبار بعض المفسرين أنها تعني (العمل و الكسب).