الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٩٠ - ملاحظات
و تعتبر هذه الآية ردّا واضحا على الذين يقولون بأن الدين أوجد الاختلاف بين البشر، و أدى الى إراقة دماء كثيرة على مدى التاريخ، فلو دققوا في الأمر لوجدوا أن الدين دائما هو أساس لوحدة و الاتحاد في المجتمع (كما حصل للإسلام و قبائل الحجاز و حتى الأقوام في خارج الجزيرة حيث انتهت الاختلافات و أصبحوا أمة واحدة).
إلّا أن السياسات الاستعمارية هي التي أوجدت الفرقة بين الناس، و حرضت على الاختلافات، و كانت أساسا لإراقة الدماء، ففرض سياساتها و أهوائها على الأديان السماوية كان عاملا كبيرا آخر في إيجاد الفرقة، و هذا بحد ذاته ينبع من (البغي) أيضا.
«البغي» كما يكشف أساسه اللغوي، يعني (طلب التجاوز و الانحراف عن خط الوسط و الميل نحو الإفراط أو التفريط) سواء تمّ تطبيق هذا الطلب أم لا، و تختلف كميته و كيفيته، و لهذا السبب فغالبا ما يستخدم بمعنى الظلم.
و أحيانا يقال لأي طلب بالرغم من كونه أمرا جيدا و مرغوبا.
لذا فإنّ الراغب في مفرداته يقسم (البغي) إلى نوعين: (ممدوح) و (مذموم) فالأوّل يتجاوز حد العدالة و يصل إلى الإحسان و الإيثار، و تجاوز الواجبات و الوصول إلى المستحبات، و الثّاني يتجاوز الحق نحو الباطل.
ثم يضيف القرآن الكريم: وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ حيث يهلك أتباع الباطل و ينصر أتباع الحق.
نعم، فالدنيا هي محل الاختبار و التربية و التكامل، و لا يحصل هذا بدون حرية العمل، و هذا هو الأمر التكويني الإلهي الذي كان موجودا منذ بدء خلق الإنسان و لا يقبل التغيير. إن هذه هي طبيعة الحياة الدنيوية، و لكن ما يمتاز به عالم الآخرة هو أن جميع هذه الاختلافات ستنتهي و سوف تصل الإنسانية إلى الوحدة الكاملة، و لهذا السبب يتمّ استخدام عبارة (يوم الفصل) للقيامة.