الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦٣ - تكاد السماوات يتفطّرن!
و يتّضح ممّا سلف أنّ للجملة معنيين:
الأوّل: أنّها تختص بموضوع الوحي الذي هو حديث الآيات السابقة، و هو في الواقع يشبه ما جاء في الآية (٢١) من سورة «الحشر» في قوله تعالى: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ.
إنّه كلام اللّه الذي يزلزل السماوات عند نزوله و تكاد تتلاشى، فلو أنّه نزل على الجبال لتصدّعت، لأنّه كلام عظيم من خالق حكيم.
و الويل لقلب الإنسان، فهو الوحيد الذي لا يلين و لا يستسلم، و يصر على عناده و تكبره.
التّفسير الثّاني: أنّ السماوات تكاد تتفطّر و تتلاشى بسبب شرك المشركين و عبادتهم للأصنام من دون اللّه، بل هم يساوون بين أدنى الكائنات و الموجودات و بين المبدأ العظيم خالق الكون جلّ و علا.
التّفسير الأوّل يناسب الآيات التي نبحثها و التي تنصب حول الوحي و التّفسير الثّاني يناسب ما نقرؤه في الآيتين (٩٠، ٩١) من سورة «مريم» حيث يقول تعالى بعد أن يذكر قول الكفار- و قبح قولهم- باتخاذه ولدا (!!): تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَ تَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً.
و من الواضح أن ليس ثمّة تعارض بين التّفسيرين.
أمّا عن كيفية انفطار السماوات و انهدام الجبال و هي موجودات جامدة، فقد ذكروا كلاما و أقوالا متعدّدة في الموضوع تعرضنا لها في نهاية حديثنا عن الآيتين المذكورتين من سورة مريم.
و إذا أردنا أن نقف على استخلاص عام لما قلناه هناك، فيمكن أن نلاحظ أنّ مجموعة عالم الوجود من جماد و نبات و غير ذلك لها نوع من العقل و الشعور، بالرغم من عدم إدراكنا له، و هم على هذا الأساس يسبحون اللّه و يحمدونه، و يخضعون له و يخشعون لكلامه.