الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٣ - التّفسير
قد يكون السبب في ذلك أنّ شهادة الجلود هي أغرب و أعجب من جميع الأعضاء الأخرى، و أوسع منها جميعا، فتلك الجلود التي يجب عليها أن تذوق طعم العذاب الإلهي- قبل غيرها من الأعضاء- تقوم بمثل هذه الشهادة، و هذا الأمر محيّر حقّا! ثم تستمر الآية بقوله تعالى: وَ هُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
و مرة اخرى تضيف: وَ ما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَ لا أَبْصارُكُمْ وَ لا جُلُودُكُمْ.
و إنّ سبب إخفائكم لأعمالكم هو: وَ لكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ.
كنتم غافلين عن أنّ اللّه يسمع و يرى، يشهد أعمالكم في كلّ حال و مكان، و يعلم أسراركم ما بطن منها و ما ظهر، ثمّ هناك عناصر الرقابة التي ترافقكم و هي معكم في كلّ مكان، فهل تستطيعون إنجاز عمل مخفي عن أعينكم و آذانكم و جلودكم؟
إنّكم في قبضة القدرة الإلهية و تحت نظر الشهود المستترين و الظاهرين حتى أدوات ذنبكم تشهد ضدكم؟! يروي المفسّرين أنّ الآية أعلاه نزلت في ثلاثة نفر من كفار قريش و طائفة من بني ثقيف ذوي بطون كبيرة و رؤوس صغيرة اجتمعوا بجوار الكعبة و هم يتسارّون، فقال أحدهم: أ تظنون أن اللّه يسمع كلامنا و حديثنا هذا؟
فأجاب آخر: تكلّم بهدوء و اخفض صوتك، فإذا تحدثنا بصوت عال فهو (أي اللّه جلّ جلاله) يسمعه، و إذا خفضنا أصواتنا فلا يسمعنا.
فقال الثّالث: إذا كان اللّه يسمع الكلام العالي فهو حتما يسمع الصوت الضعيف أيضا.