الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٠ - أحذركم صاعقة مثل صاعقة عاد و ثمود!
لا يؤمنون بهم، و إنّما مفهوم الكلام رفض هؤلاء دعوة الرسل في أنّهم مبلغوا رسالات اللّه من الأساس، حيث حملوهم على الكذب و الادّعاء. (ذلك فإنّ جملة بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ هي للاستهزاء أو السخرية، أو أن يكون المقصود بها هو: طبقا لادعائكم بأنّكم رسل اللّه تبلغون عنه).
إنّها نفس الذريعة التي ينقلها القرآن مرارا على لسان منكري النبوات و رسالات اللّه و مكذبي الرسل، من الذين كانوا يتوقعون أن يكون الأنبياء دائما ملائكة، و كأنما البشر لا يستحقون مثل هذا المقام.
مثال ذلك قولهم في الآية (٧) من سورة الفرقان: وَ قالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَ يَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً.
إنّ قائد البشر يجب أن يكون من صنف البشر، كي يعرف مشاكل الإنسان و احتياجاته و يحس آلامهم و يتفاعل مع قضاياهم، و كي يستطع أن يكون القدوة و الأسوة، لذلك يصرح القرآن في الآية (٩) من سورة «الأنعام» بقوله تعالى: وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا.
بعد المجمل الذي بينته الآيات أعلاه، تعود الآيات الآن- كما هو أسلوب القرآن الكريم- إلى تفصيل ما أوجز من خبر قوم عاد و ثمود، فتقول: فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ قالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً.
إنّ هؤلاء القوم كانوا يعيشون في أرض «الأحقاف» من (حضرموت) جنوب الجزيرة العربية، و كانوا يتصفون بوضع استثنائي فريد من حيث القوّة الجسمانية و المالية و التمدّن المادي، فكانوا يبنون القصور الجميلة و القلاع المحكمة، خاصة في الأماكن المرتفعة، حيث يرمز ذلك إلى قدرتهم و يكون وسيلة لاستعلائهم.
لقد كانوا رجالا مقاتلين أشدّاء، فأصيبوا بالغرور بسبب قدراتهم الظاهرية و مجدهم المادي، حتى ظنّوا أنّهم أفضل من الجميع، و أنّ قوّتهم لا تقهر، و لذلك قاموا بتكذيب الرسل و الإنكار عليهم، و تكالبوا على نبيّهم «هود».