الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٥ - اعتبروا بعاقبة أسلافكم الظالمين
مِنْ قَبْلِهِمْ.
إنّ الذي تحكيه الآيات و تدعونا للاعتبار به ليس تأريخا مدونا نستطيع أن نشكّك في طبيعة الوثائق و النصوص المكوّنة له، و إنّما هو تأريخ حي ينطق عنه نفسه، و ينبض بالعبرة و العظمة، فهذه قصور الظالمين الخربة، و ما تركوه، من جنات و عيون، و هذه مدن الأشقياء التي نزل بساحتها العذاب و الانتقام الإلهي، و ها هي عظامهم النخرة التي يطويها التراب، و القصور المدفونة تحت الأرض ... ها هي كلّها تحكي عظمة الدرس، و عظيم العبرة، خصوصا و أنّ القرآن يزيدنا معرفة بهؤلاء فيقول عنهم: كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَ آثاراً فِي الْأَرْضِ.
كانوا يملكون السلطات القوية، و الجيوش العظيمة، و المدنية الباهرة التي لا يمكن مقايستها بحياة مشركي مكّة.
إنّ تعبير أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً يكشف عن قوتهم السياسية و العسكرية، و عن قوته الاقتصادية و العلمية أيضا.
أمّا التعبير في قوله تعالى: آثاراً فِي الْأَرْضِ فلعله إشارة إلى تقدمهم الزراعي العظيم، كما ورد في الآية (٩) من سورة «الروم» في قوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَ أَثارُوا الْأَرْضَ وَ عَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها.
و قد يكون التعبير القرآني إشارة إلى البناء المحكم العظيم للأمم السابقة، ممّا قاموا به في أعماق الجبال و بين السهول، كما يصف القرآن ذلك في حال قوم «عاد»: أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَ تَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ [١].
و لكن عاقبة هؤلاء القوم، بكل ما انطوت عليه حياتهم من مظاهر قوّة و حياة و نماء، هي كما يقول تعالى: فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَ ما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ.
فلم تنفعهم كثرتهم و لم تمنعهم أموالهم و قدرتهم و شوكتهم من العذاب الإلهي
[١]- الشعراء، الآية ١٢٨- ١٢٩.