الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٧ - ادع اللّه وحده رغما على الكافرين
قطرات المطر تعطي الحياة، و نور الشمس يحيي الكائنات، و الهواء سرّ الوجود و الحياة، حياة جميع الكائنات، حيوانات نباتات، أناس ... كلّها تنزل من السماء. و تشكّل هذه الأثافي الثلاث فيما بينها قوام الحياة، حيث تتفرع الأشياء الأخرى من أصولها.
بعض المفسّرين أطلق على السماء اسم «عالم الغيب» و على الأرض اسم «عالم الشهود» و نزول الرزق من السماء إلى الأرض هو بمعنى الظهور من عالم الغيب إلى عالم الشهود.
و لكن هذا التّفسير فضلا عن منافاته لظاهر الآية، لم نعثر له على دليل و شاهد، صحيح أنّ الوحي و الآيات، هما غذاء الروح، ينزلان من سماء الغيب، و أنّ المطر و الشمس و النور التي تعتبر غذاء الجسد تنزل من السماء الظاهرية، و هما متناسقان مع بعضهما. و لكن ينبغي أن لا نتصوّر أن عبارة (آياته) التي نحن بصددها تشير إلى مفهوم أوسع، أو تشير بالخصوص إلى الآيات التشريعية، لأنّ عبارة يُرِيكُمْ آياتِهِ وردت مرارا في القرآن الكريم، و هي عادة ما تطلق على الآيات الدالة على التوحيد في عالم الوجود.
مثلا، في أواخر هذه السورة (المؤمن) و بعد ذكر النعم الإلهية، من قبيل الزواحف و الفلك تقول: وَ يُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ [١].
إنّ تعبير «يريكم» ينسجم في العادة مع الآيات التكوينية، بينما جرت العادة في الآيات التشريعية على استخدام تعابير مثل (أوحى) و (يأتيكم).
من هنا يتبيّن أنّ اعتبار هذه الآيات بمعنى الآيات التشريعية، و أنّها أعم من التشريعية و التكوينية، كما يذهب بعض كبار المفسّرين القدماء و المحدثين إلى ذلك، لا يستند إلى دليل، و لا تقوم عليه حجّة.
و لكن من الضروري أن نلتفت إلى أنّ القرآن يختار الإشارة إلى آية الرزق
[١]- المؤمن، الآية ٨١.