الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٢٥ - يقبل التوبة عن عباده
فكيف يسمح لشخص بالكذب عليه و في نفس الوقت ينصره و يظهر على يديه المعاجز؟
كما أن من الاخطاء الكبيرة أن يتصور البعض قيام الرّسول صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بهذا العمل مخفيا ذلك عن علم الخالق: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ.
و كا قلنا في تفسير الآية ٣٨ من سورة فاطر، فإنّ (ذات) لا تعني في اللغة العربية عين الأشياء و حقيقتها، بل هو مصطلح من قبل الفلاسفة [١]، حيث أن ذات تعني- (الصاحب)، عندها سيكون مفهوم جملة: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ إن الخالق عليم بالأفكار و العقائد المسيطرة على القلوب، و كأنما هي صاحبة هذا القلب و مالكته.
و هذه إشارة لطيفة إلى استقرار الأفكار و حاكميتها على قلوب و أرواح الناس (فدقق في ذلك).
و بما أن الخالق يبقي طريق الرجعة مفتوحا أمام العباد، لذا فإن الآيات القرآنية بعد ذم أعمال المشركين و المذنبين القبيحة تشير إلى أن الأبواب التوبة مفتوحة دائما: و لذا تقول الآية محل البحث: وَ هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَ يَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ.
إلّا أنكم إذا تظاهرتم بالتوبة و أخفيتم أعمالا اخرى، فلا تتصوروا أن ذلك يخفى عن علم الخالق، لأنّه: وَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ.
و قلنا في سبب النّزول الذي ذكرناه في بداية الآيات السابقة، أنّه بعد نزول آية المودّة، قال بعض المنافقين و ضعفاء الإيمان: إنّ هذا الكلام افتراه محمّد على الخالق، و يريد به أن يذلنا بعده لأقربائه، عندها نزلت آية: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ردّا عليهم، و عند ما علموا بنزول هذه الآية تندم بعضهم و بكى و بات قلق البال، في ذلك الوقت نزلت الآية: وَ هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ ... و بشرتهم بغفران
[١]- راجع مفردات الراغب.