الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٢٤ - يقبل التوبة عن عباده
و في الحقيقة، فإن هذا الأمر إشارة إلى الاستدلال المنطقي المعروف، و هو أنّه إذا ادعى شخص النبوة، و جاء بالآيات البينات و المعاجز، و شمله النصر الإلهي، فلو كذب على الخالق فإن الحكمة الإلهية تقتضي سحب المعاجز منه و فضحه و عدم حمايته، كما ورد في الآيات (٤٤) إلى (٤٦) من سورة الحاقة: وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ.
و قد ذكر بعض المفسّرين احتمالات اخرى في تفسير هذه الجملة، إلّا أن ما قلناه أعلاه هو أفضل و أوضح التفاسير كما يظهر.
و نلاحظ أيضا أن إحدى التهم التي نسبها الكفار و المشركون إلى الرّسول صلّى اللّه عليه و اله و سلّم هي أنّه يعتبر أجر الرسالة في مودّة أهل بيته و أنّه يكذب على الخالق في هذا الأمر: (جاء ذلك وفقا للبحث في الآيات السابقة) إلّا أن الآية أعلاه نفت هذه التهمة عنه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم.
و لكن بالرغم من هذا، فإن مفهوم الآية لا يختص بهذا المعنى، فأعداء الرّسول كانوا يتهمونه بهذه التهمة في كلّ القرآن و الوحي كما تقول الآيات القرآنية الأخرى، حيث نقرأ في الآية (٣٨) من سورة يونس: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ.
و ورد نفس هذا المعنى باختلاف بسيط في الآيات (١٣) و (٣٥) من سورة هود، و قسم آخر من الآيات القرآنية، حيث أنّ هذه الآيات دليل لما انتخبناه من تفسير للآية أعلاه.
ثم تقول الآية لتأكيد هذا الموضوع: وَ يَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَ يُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ [١].
فهذه هي مسئولية الخالق في توضيح الحق و فضح الباطل وفقا لحكمته، و إلّا
[١]- لاحظوا أنّ «يمح» هي في الأصل كانت (يمحو) حيث سقطت الواو لأن الرسم القرآني- عادة- هكذا، مثل وَ يَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ (الإسراء- ١١) و سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (العلق- ١٨)، إلّا أنّه وفقا للرسم الحديث فإن الواو تذكر في جميع هذه الكلمات، إلّا أنّها تحذف في القرآن غالبا.