الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٥ - لا ينفع الإيمان عند نزول العذاب
و واجهتهم بالمنطق و الاستدلال، و أوضحت لهم عاقبة أعمالهم.
فأوّلا تقول: أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ.
فإذا كان عندهم شك في صحة التأريخ المدون على الأوراق، فهل عندهم شك فيما يلمسونه من الآثار الموجودة على سطح الأرض، من القصور الخربة للملوك، و العظام النخرة تحت التراب، أو المدن التي أصابها البلاء و العذاب و بقيت آثارها شاهدة على ما جرى عليها؟! فأولئك: كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَ أَشَدَّ قُوَّةً وَ آثاراً فِي الْأَرْضِ. حيث يمكن معرفة عددهم و وقّتهم من آثارهم المتمثلة في قبورهم و قصورهم و مدنهم.
عبارة: آثاراً فِي الْأَرْضِ- سبق تفسيرها في الآية (٢١) من نفس السورة- فلعلها إشارة إلى تقدمهم الزراعي، كما جاء في الآية (٩) من سورة الروم، أو إشارة إلى النباء العظيم للأقوام السابقين في قلب الجبال و السهول [١].
و مع هذه القوّة و العظمة التي كانوا يتمتعون بها، فإنّهم لم يستطيعوا مواجهة العذاب الإلهي: فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ [٢].
بل إنّ كلّ قواهم و قدراتهم أبيدت خلال لحظات قصيرة، حيث خربت القصور و هلكت الجيوش التي كان يلوذ بها الظالمون ... و سقطوا كما تسقط أوراق الخريف، أو أغرقوا في خضم الأمواج العاتية.
فإذا كان هذا هو مصير أولئك السابقين مع كلّ ما لديهم، فبأي مصير- يا ترى- يفكّر مشركو مكّة و هم أقل من أولئك؟! الآية التي بعدها تنتقل للحديث عن تعاملهم مع الأنبياء و معاجز الرسل البينة،
[١]- كما تذكره الآيات (١٢٨) و (١٢٩) من سورة الشعراء.
[٢]- هناك احتمالان في (ما) في جملة «ما أغنى» فإمّا نافية أو استفهامية، لكن يظهر أنّ الأوّل هو الصحيح، و هناك أيضا احتمالان في «ما» في جملة (ما كانوا يكسبون) فإما موصولة أو مصدرية و لكن الأوّل هو المرجح