الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٨ - ذلكم اللّه ربّكم
إنّ الهيكل الإنساني الخاص يؤهل الإنسان لإنجاز مختلف الأعمال من الصناعة و الزراعة و التجارة و الإرادة، و هو بامتلاكه للأعضاء المختلفة يعيش مرتاحا مستفيدا من مواهب الحياة و عطايا الخالق.
الإنسان على خلاف أغلب الحيوانات التي تشرب الماء بفمها، فإنّه يحمل المشروبات و المأكولات بيديه، و يقوم بشرب الماء في منتهى الدّقة و اللطافة، و هذا الأمر يجعل الإنسان أقدر على انتخاب ما يشاء من الأشربة و الأطعمة.
و يجعل ما يتناوله نظيفا غير مخلوط مع غيره. فهو مثلا يقشّر الفاكهة و يهذبها قبل تناولها، و يرمي الأجزاء الزائدة.
لقد ذهب بعض المفسّرين في تفسير: وَ صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ إلى معنى أوسع من الصورة و الشكل الظاهري و التكوين الداخلي، فقال: إن المعنى يتضمن كل الاستعدادات و الأذواق التي خلقها اللّه في الإنسان و أودعها فيه، ففضله بها على كثير ممن خلق.
و في آخر الحديث عن سلسلة هذه العطايا و المواهب الإلهية، تتحدث الآية عن النعمة الرّابعة، و هي الرزق الطيب بقوله تعالى: وَ رَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ.
«الطيبات» تشتمل على معنى وسيع جدّا، و هي تشمل الجيد من الطعام و اللباس و الزوجة و المسكن و الدواب، و هي أيضا تشمل الكلام و الحديث الطيب الزكي النافع.
الإنسان يقوم بسبب جهله و غفلته بتلويث هذه المواهب الطاهرة و الطيبات اللذيذة، إلّا أنّ اللّه أبقى على نقائها و طهرها في عالم الوجود.
بعد بيان هذه المجموعة الرباعية من النعم الإلهية التي تتوزع بين الأرض و السماء و بين خلق الإنسان، تعود الآية للقول: ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُ