الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٤ - موانع استجابة الدعاء
الآية التي تليها تبدأ من توحيد الرّبوبية و تنتهي بتوحيد الخالقية و الرّبوبية.
فتقول أوّلا: ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ و مربيكم الذي من صفاته أنّه: خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ.
و لا معبود إلّا اللّه: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ.
في الواقع إنّ وجود كلّ هذه النعم دليل على الربوبية و التدبير، و خالق كلّ شيء عنوان لصفة التوحيد في الربوبية، لأنّ الخالق هو المالك و المربي. و من المعلوم أنّ الخلق يستدعي الرعاية الدائمة لأن الخالقية لا تعني أنّ اللّه يخلق الخلق و يتركها و شأنها، بل لا بدّ و أن يكون الفيض الالهي مستمرا في كلّ لحظة على جميع الموجودات. و لذلك فهذه الخالقية لا تنفصل عن الرّبوبية.
و من الطبيعي أن هذا الإله هو الوحيد الذي يستحق العبادة، و أن ترجع إليه الأشياء.
لذا فإنّ جملة خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ تعتبر الدليل ل ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ و إنّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ هي النتيجة لذلك.
و تتساءل الآية في نهايتها: كيف يسوّغ الإنسان لنفسه الانحراف و التنكّب عن الجادة المستقيمة؟ فيقول تعالى: فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [١].
و لماذا تتركون عبادة اللّه الواحد الأحد إلى عبادة الأصنام؟
و الملاحظ أن «تؤفكون» صيغة مجهول، بمعنى أنّها تحرفكم عن طريق الحق، و كأنّ المراد هو أنّ المشركين فاقدون للارادة الى درجة أنّهم يساقون في هذا المسير دون اختيار أيّ نسبة من الحرية و الإرادة و الإختيار في هذا المجال! الآية الأخيرة- من مجموعة الآيات التي نبحثها- تأتي و كأنّها تأكيد لمواضيع الآيات السابقة، فيقول تعالى: كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ.
«يجحدون» مشتقّة من مادة «جحد» و هي في الأصل تعني إنكار الشيء
[١]- «تؤفكون» من «إفك» و تعني الانحراف و الرجوع عن طريق الحق و جادة الصواب. و لهذا السبب يقال للرياح المضادة «المؤتفكات». و يعبّر عن «الكذب» ب «الإفك» بسبب ما فيه من انحراف عن بيان الحق.