الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٣ - ما يستوي الأعمى و البصير!
إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَ رَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ [١].
إنّ قضية المعاد و عودة الروح للإنسان بعد موته، تعتبر من أكثر القضايا التي يجادل فيها الكفار، و يعاندون بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لذلك تنتقل الآية التالية إلى التذكير بهذه القضية، و إعادة طرحها وفق منطق قرآني آخر، إذ يقول تعالى: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ.
إنّ خالق هذه المجرّات العظيمة و مدبّرها يستطيع- بصورة أولى- أن يحيي الموتى، و إلّا كيف يتسق القول بخلقه السماوات و الأرض و عجزه من إعادة الإنسان إلى الحياة بعد الموت؟
إنّ هذا المنطق يعبّر عن جهل هؤلاء الذين لا يستطيعون إدراك هذه الحقائق الكبرى! أغلب المفسّرين اعتبر هذه الآية ردّا على مجادلة المشركين بشأن قضية المعاد، بينما احتمل البعض أنّها رد على كبر المتكبرين و المغرورين الذين كانوا يتصورون أن ذواتهم و أفكارهم عظيمة غير قابلة للردّ أو النقض، في حين آنها تافهة بالقياس إلى عظمة عالم الوجود [٢].
هذا المعنى غير مستبعد، و لكن إذا أخذنا بنظر الإعتبار الآيات التي بعدها يكون المعنى الأوّل أفضل.
لقد تضمنت الآية الكريمة سببا آخر من أسباب المجادلة متمثلا ب «الجهل» في حين طرحت الآيات السابقة عامل «الكبر». و العاملان يرتبطان مع بعضهما، لأن أصل و أساس «الكبر» هو «الجهل» و عدم معرفة الإنسان لحدوده و قدره، و لعدم تقديره لحجم علمه و معرفته.
الآية التي بعدها، و في إطار مقارنة واضحة تكشف عن الفرق بين حال
[١]- المؤمن- ٢٧.
[٢]- يلاحظ الرأي الأوّل في مجمع البيان، تفسير الفخر الرازي، الكشاف، روح المعاني، الصافي و روح البيان.