الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٢ - ما يستوي الأعمى و البصير!
من يتكبّر يحسد، إذ لا يرى المتكبّر المواهب إلّا لنفسه، و يتألم إذا انصرفت لغيره حسدا منه و جهلا.
ثم تضيف الآية: ما هُمْ بِبالِغِيهِ.
إنّ هدفهم أن يروا أنفسهم كبارا، يفاخرون بذلك و يفتخرون على غيرهم، لكنّهم لن يحصدوا سوى الذلة و الخسران، و لن يصلوا بطريق التكبر و الغرور و العلو و المجادلة بالباطل إلى ما يبتغونه [١].
في نهاية الآية تعليمات قيمة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بأن يستعيذ باللّه من شر هؤلاء المتكبرين المغرورين الذين لا منطق لهم، حيث يقول تعالى: فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
فهو- تعالى- يسمع أحاديثهم الباطلة الواهية، و ينظر إلى مؤامراتهم و أعمالهم القبيحة و خططهم الشريرة.
و الاستعاذة باللّه لا تنبغي لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم وحده و حسب، و إنّما تجب على كل السائرين في طريق الحق عند ما تتعاظم الحوادث و يستعر الصدام مع المتكبرين عدمي المنطق! لذلك نرى استعاذة يوسف عليه السّلام عند ما تواجهه العاصفة الشديدة المتمثلة بشهوة «زليخا» يقول: مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ فكيف أخون عزيز مصر الذي أكرمني و أحسن وفادتي.
و في آيات سابقة من نفس هذه السورة نقرأ أنّ كليم اللّه موسى عليه السّلام قال:
[١]- ثمة بين المفسرين كلام حول مرجع الضمير في قوله: «بالغيه» أشهره قولان.
الأول: أن يعود الضمير إلى «كبر» و تكون «ما هم ببالغيه» جملة وصفية ل (كبر) و يكون المعنى هكذا: إنهم لا يصلون إلى مقتضى و هدف تكبرهم (في الواقع حذف هنا المضاف و التقدير «ما هم ببالغي مقتضى كبرهم»).
الثاني: أن يعود الضمير إلى «جدال» الذي يستفاد من جملة «يجادلون» و المعنى أنهم لن يصلوا إلى هدف جدالهم المتمثل بإبطال الحق. و لكن في هذه الحالة لا تستطيع أن نقول: إن الجملة صفة (كبر) بل ينبغي أن نعطفها على ما سبقها مع حذف العاطف.