الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٤ - التحذير من العاقبة!
ثم أوضح مراده من هذا الكلام بأنني خائف عليكم عن العادات و التقاليد السيئة التي كانت متفشّية في الأقوام السالفة. مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَ عادٍ وَ ثَمُودَ وَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ [١].
لقد نالت هذه الأقوام جزاء ما كانت عليه من الكفر و الطغيان، إذ قتل من قتل منهم بالطوفان العظيم، و أصيب آخرون منهم بالريح الشديدة، و بعضهم بالصواعق المحرقة، و مجموعة بالزلازل المخرّبة.
و اليوم يخاطبهم مؤمن آل فرعون: ألا تخشون أن تصيبكم إحدى هذه البلايا العظيمة بسبب إصراركم على الكفر و الطغيان؟ هل عندكم ضمان بأنّكم لستم مثل أولئك، أو أن العقوبات الإلهية لا تشملكم، ترى ماذا عمل أولئك حتى أصابهم ما أصابهم، لقد اعترضوا على دعوة الأنبياء الإلهيين، و في بعض الأحيان عمدوا إلى قتلهم ... لذلك كلّه فإني أخاف عليكم مثل هذا المصير المؤلم!؟
و لكن ينبغي أن تعلموا أنّ ما سيصيبكم و يقع بساحتكم هو من عند أنفسكم و بما جنت أيديكم: وَ مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ.
لقد خلق اللّه الناس بفضله و كرمه، و وهبهم من نعمه ظاهرة و باطنة، و أرسل أنبياءه لهدايتهم، و لصدّ طغيان العتاة عنهم، لذلك فإنّ طغيان العباد و صدّهم عن السبيل هو السبب فيما ينزل بهم من العذاب الأليم.
ثم تضيف الآية على لسانه: وَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ أي يوم تطلبون العون من بعضكم البعض، إلّا أصواتكم لا تصل إلى أي مكان.
«التناد» مأخوذة أصلا من كلمة «ندا» و تعني «المناداة» (و هي في الأصل (التنادي) و حذفت الياء و وضعت الكسرة في محلّها) و المشهور بين المفسّرين أنّ
[١]- «داب» على وزن (ضرب) تعني في الأصل الاستمرار في السير، و (دائب) تطلق على الكائن الذي يستمر في سيره ثمّ أصبحت بعد ذلك تستعمل لأي عادة مستمرة ... و المقصود هنا من (دأب قوم نوح) هو قيامهم و استمرارهم و اعتيادهم على الشرك و الطغيان و الظلم و الكفر.