الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥١ - ثانيا التقية أداة مؤثّرة في الصراع
الآن نسأل: هل كان بوسع مؤمن آل فرعون إسداء كلّ هذه الخدمات لدعوة موسى عليه السّلام لو لم يستخدم أسلوب التقية؟
لذلك كلّه
ورد في حديث عن الإمام الصادق قوله عليه السّلام: التقية ديني و دين آبائي، و لا دين لمن لا تقية له، و التقية ترس اللّه في الأرض، لأنّ مؤمن آل فرعون لو أظهر الإسلام لقتل» [١].
إنّ فاعلية هذا المبدأ تكتسب أهمية استثنائية في الوقت الذي يكون فيه المؤمنون قلّة خاضعة للأكثرية التي لا ترحم و لا تتعامل وفق المنطق، فالعقل لا يسمح بإظهار الإيمان (باستثناء الضرورات) و التفريط بالطاقات الفعّالة، بل الواجب يقضي بكتمان العقيدة و التخفي على المعتقد في مثل هذا الوضع لكي يصار إلى تجميع الطاقات و القوى و الإفادة منها لتسديد الضربة النهائية و القاصمة في الوقت و الظرف المناسبين.
إنّ الرّسول الأعظم صلّى اللّه عليه و اله و سلّم التزم بنفسه هذا المبدأ، حينما أبقى دعوته سريّة لبضع سنوات، و حينما ازداد أتباعه و تشكّلت النواة الإيمانية القادرة للحفاظ على الدعوة الجديدة صدع صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بأمره تعالى أمام القوم.
و من بين الأنبياء الآخرين نرى إبراهيم عليه السّلام الذي استخدم أسلوب التقية، و وظّف هذا المبدأ في عمله الشجاع الذي حطّم فيه الأصنام، و إلّا فلولا التقية لم يكن بوسعه أن ينجح في عمله أبدا.
كذلك استفاد أبو طالب عم الرسول من أسلوب التقية في حماية رسول اللّه و دعوته الناشئة، إذ لم يعلن عن صريح إيمانه برسول اللّه و بالإسلام إلّا في فترات و مواقف خاصّة، كي يستطيع من خلال ذلك لنهوض بأعباء دوره المؤثر في حفظ حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم حيال مكائد و طغيان الشرك القرشي.
من هنا يتبيّن خطأ رأي من يعتقد بأنّ «التقية» كمبدأ و كأسلوب، تختص
[١]- مجمع البيان، المجلد الثامن، صفحة ٥٢١.