الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣ - الجميع مخلوقون من نفس واحدة
خلق كلّ بني آدم من نفس واحدة إشارة إلى مسألة خلق آدم أبي البشر، إذ أنّ كل البشر و بتنوع خلقتهم و أخلاقهم و طبائعهم و استعداداتهم و أذواقهم المختلفة يعودون في الأصل إلى آدم عليه السّلام.
و عبارة: ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها [١] إشارة إلى أن اللّه خلق آدم في البداية، ثمّ خلق حواء ممّا تبقى من طينته.
و على هذا الأساس فإنّ عملية خلق حواء تمّت بعد خلق آدم، و قبل خلق أبناء آدم.
عبارة (ثمّ) لا تأتي دائما كتأخير للزمان، و إنّما تأتي أحيانا كتأخير للبيان، فمثلا يقال: رأيت ما عملته اليوم ثمّ رأيت ما عملته بالأمس، في حين أنّ عمل الأمس قد نفذ قبل عمل اليوم، و لكن المراد هنا أنّ مشاهدته تمّت بعد عمل اليوم.
و البعض اعتبر الآية المذكورة أعلاه تشير إلى (عالم الذّر) و خلق أبناء آدم بعد خلق آدم و قبل خلق حواء بشكل أرواح، هذا التّفسير غير صحيح، و قد بيّنا هذا في تفسير و توضيح «عالم الذّر» في ذيل الآية (١٧٢) من سورة الأعراف.
و ممّا يجدر ذكره أنّ زوجة آدم عليه السّلام لم تخلق من أي جزء منه، و إنّما خلقت ممّا تبقى من طينته التي خلق منها، و ذلك كما ورد في الرّوايات الإسلامية، و أمّا الرّوايات التي تقول بأنّها خلقت من ضلع آدم الأيسر، فإنّه كلام خاطئ مأخوذ من بعض الرّوايات الإسرائيلية، و مطابق في نفس الوقت لما جاء في الفصل الثّاني من كتاب التّوراة (سفر التكوين) المحرّف، إضافة إلى كونه مخالفا للواقع و العقل، إذ أنّ تلك الرّوايات ذكرت أنّ أحد أضلاع آدم قد أخذ و خلقت منه حواء، و لهذا فإنّ الرجال ينقصهم ضلع في جانبهم الأيسر، في حين أنّنا نعلم بعدم وجود أيّ فارق بين عدد أضلع المرأة و الرجل، و هذا الاختلاف ليس أكثر من خرافة.
بعد هذا ينتقل الحديث إلى مسألة خلق أربعة أنواع من الانعام تؤمّن للإنسان
[١]- في قوله تعالى: ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها محذوف تقديره (خلقكم من نفس واحدة خلقها، ثمّ جعل منها زوجها).