الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠١ - اللّه سبحانه يتوفى الأنفس
المجال، فإنّه لم يكن ينبغي جني الأرباح من وراء ذلك، و إنّما كان يؤدي واجبا إلهيا، إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِ [١].
و تضيف الآية فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها.
على أية حال، فإنك لست مكلفا بإدخال الحق إلى قلوبهم بالإجبار، و إنّما عليك إبلاغهم و إنذارهم فقط وَ ما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ.
هذه القاعدة بأنّ كلّ من اتبع طريق الحق عاد بالربح على نفسه، و من اتبع سبيل الضلال عاد بالخسارة على نفسه، تكررت عدّة مرات في آيات القرآن الكريم، كما أنّه تأكيد على حقيقة أنّ اللّه غير محتاج لإيمان عباده و لا يخاف من كفرهم، و كذلك رسوله، و إنّه لم يدفع عباده إلى عبادته كي يجني من وراء ذلك الأرباح، و إنّما ليجود على عباده.
قوله تعالى: وَ ما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ- التي وردت فيها كلمة (وكيل) بمعنى الشخص المكلف بهداية الضالين و جعلهم يؤمنون باللّه- وردت عدّة مرات في آيات القرآن، و بنفس التعبير أو ما يشابهه، و الغرض من تكرارها هو بيان أنّ الرّسول الأكرم صلّى اللّه عليه و اله و سلّم ليس مسئولا عن إيمان الناس، لأنّ أساس الإيمان لا يأتي عن طريق الإجبار، و إنّه مكلّف بإبلاغ الأمر الإلهي إلى الناس من دون أن يظهر أدنى تقصير أو عجز، فإمّا أن يستجيبوا لدعوته و إمّا أن يرفضوها.
ثمّ لتوضح أنّ الحياة و الموت و كلّ شؤون الإنسان هي بيد اللّه سبحانه و تعالى، قالت الآية: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها [٢].
و بهذا الشكل فإن (النوم) يعد شقيق (الموت) لكن بأحد أشكاله الضعيفة، أي (أشكال الموت)، لأن العلاقة بين الروح و الجسد تصل إلى أدنى درجاتها أثناء
[١]- «بالحق»: من الممكن أن تكون حالا ل (كتاب) أو للفاعل في أَنْزَلْنا، مع أنّ المعنى الأوّل أنسب، و لذا فإنّ مفهوم الآية يكون: (إنا أنزلنا عليك القرآن مترافقا بالحق).
[٢]- كلمة (توفى) تعني قبض الشيء بالتمام، كلمة (أنفس) تعني الأرواح. و كلمة (منام) لها معنى مصدري و تعني النوم.